العودة للفهرس

الحجاز بين الحاكمية السعودية والاستعمار الأمريكي

بعد نهاية هذه الحرب المشئومة ـ وقبلها ـ كثر الحديث عن خطة أمنية للمنطقة لما لها من استراتيجية هامة وموقع حيوي على المستوى الإقليمي والدولي، ولهذا فليس من الصحيح ان تترك المنطقة عرضة لهزات تخل بالأمن والإستقرار، لما لذلك من آثار سلبية على الإقتصاد العالمي..

يتضح من التصريحات والتقارير الغربية مدى اهتمامهم بمنطقة الخليج، مؤكدين على سبب هذا الإهتمام المتمثل في النفط ـ مصدر الطاقة في العالم ـ وإذا أردنا ترتيب هؤلاء المهتمين حسب درجة اهتمامهم، فلا شك أن أمريكا ستحظى بالمرتبة الأولى، ولكن الغريب أن أمريكا ليست بحاجة إلى نفط الخليج بقدر حاجة اليابان أو الدول الأوروبية، فما سر هذا الإهتمام البالغ ـ إذن ـ؟!.

لعل الجواب غير خاف على قرائنا الأعزاء بالنفط وإن كان مادة اقتصادية إلاّ أن آثاره السياسية أبرز ماله من آثار، فإن من يمسك بزمام الإقتصاد العالمي فإنه يضمن قدرته على توجيه السياسة العالمية لخدمة مصالحه وهذا بالضبط ما تسعى إليه أمريكا بإهتمام بالغ.

وبالطبع فإن الحديث يدور بين (الكبار) أما الصغار ـ أصحاب الأرض والنفط ـ فلا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولا ذكر لهم في تقرير ولا تصريح، أم السبب في هذا التجاهل فهو واضح ـ يضاً ـ لأنه حكومات المنطقة وحكامها. إذ إن حكام المنطقة لم يكونوا ـ يوماً ـ بصدد إعطاء الحق لذوي الحق، لانشغالهم بملذاتهم وفجورهم ومحافل أنسهم الصغار فيهم والكبار…

وإن شئت مثلاً لذلك فانظر إلى أزمة الخليج وأسبابها وتداعياتها، ونتائجها على المنطقة وأهلها. فصحيح أن حكام الكويت حرروا الكويت، ولكن ببيع الكويت للغرب… وصحيح أن (آل سعود) حفظوا عرشهم من أن يبتلعه (صدام) ولكن برهن البلاد والعباد للإرادة الأمريكية…

أما ما صرف في هذه الحرب فحدث عنه ولا حرج فإن ما يزيد على ستين ملياراً من الدولارات صرفتها حكومتها (آل الصباح وآل سعود) كانت تكفي أن تسد جوع العالم الإسلامي كله، والسودان مثال واضح على ذلك فهو يعاني من مجاعة خانقة مع أن خمسة مليارات دولار تكفي لأن تجعل منه سلة غذاء للعالم العربي ـ كما يقال ـ والأنكى من هذا كله أن هذه الأزمة ستزيد الفقراء فقراً، لا جرم لهم إلاّ أنهم فتحوا أعينهم وأبصروا إسراف حكام الخليج فاحتجوا فكان مصيرهم الطرد من الحجاز، كما حدث لليمنيين، والتهديد بقطع المعونات كما حدث للاردن وغيره.

لقد كشفت هذه الأزمة ما استتر من عورات العرب مماحاً ولو استره ـ وهم يكذبون ـ تحت عنوان جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، ومجلس التعاون العربي… وكان على رأس هذه العورات أن الحكومات في الوطن العربي حكومات استبدادية ـ وان تبجحت بالإسلام ـ كالسعودية ـ أو بالديمقراطية ـ كمصر ـ فليس إلاّ إرادة الحاكم وإلاّ فالسيف، بل لا يكفي ذلك إذ لا بد للمواطن أن يصفق لما يرى خطأه بادياً حتى للعميان.

ففي دولة آل سعود حيث لم نسمع ولم نع إلاّ أن الإسلام الحنيف هو القانون الأول والأخير في البلاد، وأن حكم الشرع هو الظاهر والباطن، وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تضرب بالعصي في اليوم خمس مرات من لا يذهب إلى المسجد للصلاة جماعة، وهدمت القبور والأضرحة منذ سبعين عاماً لأن العامة من الناس يتوسلون بها خلافاً لروح التوحيد الإسلامي، فلا تقبيل للضريح ولا دنو من القبور.. بل لا بد من إخلاص القلب والعمل لله وحده لا شريك له…

هذه الثقافة والممارسة على مدى سبعين عماً كانت كفيلة بإخراج أجيال لا تعرف الخنوع والطاعة إلا لله الواحد، ولكن لأن نيات (أولي الأمر) لم تكن صادقة في دعواتهم تلك ولم تكن أفعالهم تصدق أقوالهم لم يكن لكلامهم أثر يذكر سوى بعض المظاهر التي لا ينحصر وجودها في دولة (آل سعود) بل نراها منتشرة في دول إسلامية أخرى مع أن أنظمة الحكم فيها لا ترفع شعار الإسلام.

وكان من شأن تلك الثقافة أن تربي الناس على أن الإستعانة بغير الله كفر ـ كما درسنا في المدرسة ـ هذا حتى لو كان المستعان به رسول الله(ص) فضلاً عن غيره، فكيف ببوش؟!.

هنا وقعت الواقعة ـ فلم ـ يحر آل سعود، لأن من يستعين بقوى أجنبية كافرة مهما برر واستدل ـ لهو أولى بالضرب ممن يتوسل بولي صالح في قبره في بلاد الله الواسعة… إن الشارع والرأي العام في بلاد الحجاز صار بصدد البحث عن جواب شاف عن هذه الإزدواجية في الفكر والعمل وخاصة في أوساط أبناء السنة، إذ طالما رأوا وسمعوا ضرب شيعة الحجاز وغيرهم إذا ما اقتربوا من قبر الرسول(ص) في البقيع بالمدينة المنورة، بحجة أنهم مشركون إذ يطلبون العون والمدد من غير الله ـ جل وعلا ـ وهو خلاف التوحيد الأفعالي!!.

وهكذا كشف النظام السعودي ووعاظه عن حقيقة الإسلام الذين يرفعون شعاره، وإنه ليس سوى غطاء سميك لتسلطهم على رقاب الأمة ونهب ثرواتها.

ثم وبغض النظر عن الأبعاد الشرعية والدينية لمسألة استقدام القوى الأجبية، فإن البعد الوطني والسياسي يجيز أبداً الإقدام على مثل هذه الخطوة، إذ يكفي احتمال وقوع سلبيات هذا الإستقدام لذلك، فضلا عن القطع بوقوعها. ولا أظن أحداً يشك في أن سيادة البلاد واستقلالها في خطر بوجود هذه القوات الأجنبية لما لها من أطماع تاريخية لا يخفيها مسؤولوها حتى في تصريحاتهم العلنية، إذ إن الأمريكان يرون أمن منطقة الخليج جزء من أمن الولايات المتحدة الأمريكية، وهل معنى الاستعمار غير هذا؟!

وإن عاجلاً أو آجلاً سيدرك حتى آل سعود أنفسهم أن ما قدموا عليه ليس خطراً على البلاد في المدى القصيرة والبعدي، بل إن مستقبل الأسرة الحاكمة نفسه في خطر إن بقيت لهم لماظة من عقل يدركون بها.

أما نحن كشعب فسواء عندنا أن يتولى آل سعود ومن خلفهم أمريكا أو تتولى أمريكا مباشرة وعلناً، فكلاهما مرفوض جملة وتفصيلاً، إذ لا شرعية للأول كما لا شرعية للثاني، والموقف واحد تجاه هذا وذاك، فالمسألة مسالة سيادة واستقلال، وهما مفقودان في كلتا الحالتين (والله غالب على أمره).