العودة للفهرس

فوضى القضاء والسلطة المطلقة للأمراء

أصدرت منظمة ليبرتي وثيقة الصلة بلجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية في المملكة والتي أعلنت عن نفسها في الثالث من مايو الماضي، تقريرا عن انتهاكات حقوق الإنسان في المملكة، بعنوان (حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية) تعرضت فيه لموضوعات مختلفة ذات أهمية، وحوى التقرير معلومات تفصيلية لبعض القضايا الخطيرة والحساسة.

ملاحظات نقدية على التقرير:

قبل أن نستعرض التقرير، أو أهم محتوياته، سنوضح هنا ملامح القصور فيه، ودلالاته السياسية.

أولا: جاء التقرير معزز للإتهامات التي تعرضت لها لجنة الحقوق الشرعية ـ التي يعتقد الكثيرون انها وراء التقرير ـ بأنها مجرد حزب سياسي، جاء للدفاع عن جماعة معينة في منطقة معينة، ولم يرد مؤسسو اللجنة، أو لم يستطيعوا أن يكونوا معبرين ومدافعين عن كل المضطهدين داخل المملكة، كما كان الأمل بهم، وكما أعلنوا هم من قببل في بياناتهم، بأنهم يدافعون عن كل مواطن بدون أي اعتبار مناطقي أو مذهبي، بل وأعلنوا أنهم سيدافعون عن الأجانب من عمال ومستخدمين.

من الواضح ان التقرير كتب في أجواء نجد، فكانت كل الإستشهادات والأسماء التي وردت، والشخصيات التي تم الدفاع عنها نجدية ذات طابع مذهبي معين، حتى ليخيل لقاريء التقرير منطقة نجد دونما سواها.

ثانيا: جاء التقرير أقل مستوى ومصداقية، قياس بالتقارير التي تصدرها المنظمات الحقوقية الدولية غير الإسلامية، ذلك أن القائمين على التقرير كانت تنقصهم الجرأة في طرق المواضيع التي تعتبر في المملكة حساسة، وكأنهم غلبوا الجوانب السياسي على الجوانب الإنسانية، فحين تعرض التقرير على سبيل المثال لانتهاكات السلطات السياسية، لم يتطرق من قريب أو بعيد للتجاوزات الخطيرة التي يقوم بها أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي وصلت تعدياتهم في بعض الأحيان الى قتل أبرياء، كما حدث للمواطن سعيد فراش من مكة قبل أكثر من عام، فضلا عمن يعتقل بدون سبب ومن يجلد بدون قانون ومن يتعدى عليه بالكلام الخلشن والسباب، فكان ينبغي على الأقل التنبيه الى مثل هذه التجاوزات، ولكن اعضاء اللجنة لم يشأوا أن يفتحوا معركة في صفوف المحسوبين على التيار الديني النجدي في وقت يخوضون فيه صراعاً مع العائلة المالكة.

ثالثا: ومن المسائل التي تجاهلها التقرير بشكل واضح، موضوع التمييز الطائفي ضد المواطنين الشيعة، وهذا من الأمور المستغربة، لأن ظلامة المواطنين الشيعة في المملكة باتت من الامور التي يصعب على أي أحد تجاوزها في تقاريره إلا أن يتهم بالتعصب الطائفي أو التحيز السياسي. لم يذكر التقرير إسم معتقل سياسي واحد من الشيعةت، ولم يذكر إسم شخص واحد سحب جواز سفره، مع أن مناطق الشيعة أكثر معاناة في هذا المجال من غيرها، حيث يوجد إلاف الاشخاص المسحوبة جوازات سفرهم، وحيث الإعتقال بالتهمة والظنّة، وكانت المنظمات الدولية قد وثقت مئات الحالات لمعتقلين سياسيين من المواطنين الشيعة في وقت لم يعرف في البلاد بطولها وعرضها معتقل سياسي واحد من غير الشيعة.

وفي حين جاء التقرير ليتحدث عما أسماه بالتمييز العنصري في المملكة، وهو موضوع ضئيل الأهمية، لم يشر من قريب أو بعيد الى التمييز الطائفي، وكان هذا التجاهل مقصودا، لأن مؤسسي اللجنة اعتبروا الدفاع عن المواطنين الشيعة ثغرة كبرى قد تستغل ضدهم في محيط طائفي يستغل كل الأسلحة، ومع أن اشارات من نوع أو آخر لحظت اعتدال مؤسسي اللجنة، لكن التقرير أثبت من جديدي، أن التصنيفات الطائفية والمناطقية ـ لم يرد ذكر الحجاز في التقرير ولم يلحظ الدفاع عن أهله ـ لا تزال أقوى، أو يصر اللاعبون على استخدام تلك التقسيمات في صراعهم السياسي.

هذا يعني بالتحديد، إبقاء سيف التقسيم مشهورا، فإذا لم يستطع المواطنون إيجاد قوة سياسية ودينية تمثل جميع أبناء المملكة، فإن خطرتفتت المملكة يبدو أمرا محتملا جدا، بمجرد تراجع القوة القهرية التي تبقيها موحدة.

والمؤسف حقا، أن التقرير لو كان يمثل فعلا جهة انسانية، لما كان ليهتم بالتصنيفات السياسية والطائفية، بل كان من السهل عليه تجاوزهعا وتجاوز كل التأطيرات التي تحد من تمثيل اللجنة لكل المواطنين وكل المناطق.. ولكن لأنه يمثل جهة سياسية ـ دينية من نوع أو آخر، فكان لا بد من وجهة نظرهم عدم تجاوز خطوط التقسيم وحواجزه، تماما مثلما يفعل النظام السياسي القائم. وإذا كان هناك من خروج على التقسيم المصطنع فضمن حدود ضئيلة، وقد تكون لحسابات مصلحية سياسية آنية.

رابعا: أيضا، هناك موضوع لم يتطرق له التقرير، وهو موضوع المرأة، وهو يكتسب حساسية شديدة، فالى الآن اعتبر الدفاع عن حقوق المرأة في المملكة مؤامرة (علمانية)، أو مؤامرة صهيونية غربية ضد الإسلام، ولكن مما لا شك فيه أن هناك تجاوز لحقوق المرأة التي حددها الشرع الشريف، وهناك تغليب لأعراق اجتماعية ما أنزال الله بها من سلطان. وكان حري بالتقرير الذي ولكنه أهمله لأن الدخول فيه، مثل موضوع الشيعة، كالدخول في حقل أغام. ومرة أخرى، وجد أوالئك المعادون للتوجه الديني أصلا، وللجنة الحقوق الشرعية بشكل خاص، مادة جديدية تثبت ادعاءاتهم بأن مؤسسي اللجنة ضد حقوق المرأة وضد حقوق الإقليات، وهي اتهامات رددتها واشنطن ومسؤولون سعوديون عديديون وسيقت كأعذار لمهاجمة اللجنة.

على أن هذه الثغرات لا تغلي أهمية التقرير في المواضيع التي طرقها والتي حوت استشهادات قوية حول الإنتهاكات التي يتعرض لها المواطنون بشكل عام في كل أ،حاء المملكة. وفيما يلي، أهم ما جاء في التقرير:

واقع السلطة القضائية

أولا ـ ضعف القيمة المعنوية للقضاء والقضاة

يجمع الحقوقيون المطالبون باصلاح النظام القضائي في المملكة بأن ما يشبه حالة الإفلاس قد أصابت الجهاز القضائي، ويجملون مظاهر تدني القيمة المعنوية للقضاء والقضاة في النقاط التالية:

ألف ـ معاملة الدولة للقضاء كأي مرفق خدمات وليس كسلطة مستقلة، بل أن التسهيلات المالية والإدارية للقضاء تعتبر أقل كثيرا من أي وزارة خدمات، وجهاز القضاءومعه وزارة العدل هي أشد أجهزة الدولة تخلّفا في المباني والإتصلالات والتسهيلات والسكرتارية والخدمات المساندة.

باء ـ السماء لبعض الجهات الحكومية بممارسة اليد العليا على القضاء. فوزارة الداخلية ووزارة البلديات يحق لها أن تصدر أي تعميم وتلزم القضاة به فورا، كالتعاميم التي تصدر مطالبة بعدم النظر في شكاوى معينة مرفوعة من قبل المواطنين ضد أي من أجهزة تلك الوزارات.

جيم ـ تطاول بعض الحكام الإداريين "الأمراء" علي أشخاص القضاة وتهديدهم ورفع الصوت عليهم، بل وضربهم، وإصدار الأمر بسجنهم، كالذي حصل لأربعة من القضاة في منطقة خميس مشيط، حيث أمر خالد الفيصل ـ أمير أبها ـ بسجنهم حينما اختلف معهم في الحكم في قضية معينة، وبقي القضاة الأربعة عدة أيام في السجن بأمر عقابي من الأمير خالد الفيصل.

دال ـ استثناء فنة من معينة الناس من سلطة القضاء، حيث لا يحق للقاضي إصدار أمر بإحضار أحد من أبناء الأسرة الحاكمة "آل سعود" عن طريق شرطة القضاء، بل لا بد في مثل هذه الحالة من أن يكتب القاضي لأمير المنطقة الذي يشاور الشخص المطلوب، والذي يقرر إن كان يرغب في الحضور أو لا يرغب، وبذلك لا يتمكن القضاة من إلزام هذا النوع من الخصوم بأي نوع من أنواع الحكم. ولذا يعمد كثير من القضاة الى مفاتحة الطرف المدعي بأنه لا أمل له في الحصول على أي حق من الخصم "الملكي" ناصحين المدعي بقبول أي شكل من أشكال الصلح إذا تيسر. وغالبا ما يتمثل الصلح في ضياع جزء كبير من حق الطرف المدعي الذي يضطر للرضوخ للأمر الواقع وقبول بعضا من حقه الشرعي.

هاء ـ اعتبار المدعي فردا من أفراد السلطة التنفيذية. ومن المفيد أن نشير إلى أنه لا يوجد نظام نيابة ونظام مدع عام في المملكة، وإنما هناك أفراد شرطة ليس لهم أي تخصص قضائي أو قانوني يطلق عليهم لقب المدعي العام في المحاكم الكبرى.

ولذلك أصبح من صلاحيات السلطة التنفيذية تقرير مصير ما يسمى بالحق العام بعد تنازل الأفراد في القضايا الجنائية عن الحق الخاص، وقيام السلطة التنفذية بكل سهولة بإلغاء الحق العام دون الرجوع إلى أي سلطة قضائية.

ثانيا: فوضى النظام القضائي

يقدر الحقوقيون السعوديون المطالبون بالإصلاح أنه لا يوجد نظام قضائي في العالم ـ حسب علمهم ـ بلغ من الفوضى وتضارب وتداخل الإختصاصات كما بلغ النظام القضائي في المملكة، ويعتقدون أن هذه الفوضى ربما كانت مقصودة على اعتبار انها في حدذاتها وسيلة للتحايل على أصحاب الحقوق، ولتبرير ما يرتكب من انتهاك وتجاوز بحجة عدم الإختصاص أو التأخير الإداري للقضية. ويعدد هؤلاء الحقوقيون مظاهر الفوضى في النظام القضائي في النقاط التالية:

آلف ـ تعدد أجهزة القضاء: فبالإضافة إلى المحاكم الشرعية وديوان المظالم يوجد ما لا يقل عن ثلاثين لجنة قضائية تمارس كلها دورا قضائيا ما، ولها اختصاصاتها وتتصل مباشرة بالجهات التنفيذية دون الرجوع الى جهة قضائية مركزية محكمة.

باء ـ التداخل المزعج في الإختصاصات بطريقة لا يمكن فهمها، ليس من الخصم والمحامين فحسب، بل حتى من قبل القضاة وأعضاء اللجان القضائية أنفسهم. والسلطة التنفيذية هي التي تحسم جهة الإختصاص حيث أنه لا يوجد في المملكة ما يوازي المحكمة الإدارية المعروفة في أنظمة القضاء العالمية.

جيم ـ تناقض الأنظمة التي تحدد سير القضايا وخلوها من المنطق والواقعية، وتفسير ذلك في أن سير القضايا والنظام القضائي وضع من قبل لجان في مجلس الوزراء وصودق عليه فأصبح نظاما وأصبحت جميع الجهات القضائية البالغ عددها 32 ملزمة به.

ثالثا: تحجيم القضاء

يمكن إيجاز أهم مظاهر تحجيم القضاء وتقليص فاعليته في النقاط التالية:

ألف ـ منع المحاكم بصورة مطلقة من النظر في دعاوى معينة، وهي قضايا ما بات النظام يصنفها على أنخا من قضايا السيادة. والمقصود بالسيادة هنا سيادة الدولة، ولقد أبقت الدولة مفهوم السيادة غامضا غير مفسّر إمعانا في تحجيم القضاء، ولذا فإن السلطة التنفيذية توسع هذا المفهوم عند الحاجة وتأمر القضاة بعدم النظر في قضايا معينة بحجة أنها من أعمال السيادة كما هو الحال في قضايا المباحث والجوازات وغيرها.

باء ـ عدم قبول بعض الدعاوى إلا بإذن، وهي دون الصنف السابق حيث يسمح للمحاكم النظر فيها بعد استئذان الملك أو وزير الداخلية أو الإمارة، وفي بعض الأحيان استئذان وزارة البلديات، ومن أمثلة ذلك منع النظر في إثبات الإعسار التجاري، وإعسار الأفراد إلا بإذن الإمارة، وفي توثيق العقارات إلا بإذن وزارة البلديات، وفي قضايا الديات إذا كان المتسبب أجنبيا إلا بإذن وزارة الداخلية.

جيم ـ تمييع أو تجميد بعض الدعاو بحجة عدم التخصص، ويعتبر عدم التخصص حيلة سهلة للسلطة التنفيذية لسحب أي قضية من أي جهة وتجميدها أو تحويلها لجهة أخرى. والغريب في الأمر أن الذي يحدد عدم التخصص ليس محكمة إدارة أو ما يشابهها بل تحدده السلطة، التنفيذية، ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك قضية الكعكي المشهورة التي قرر الديوان الملكي سحبها من المحكمة وتجميدها بدعوى عدم التخصص.

دال ـ هناك دعاوى لا يمكن إلزام الخصم بالحضور فيها حيث لا يمكن إحضار فئة معينة حتى لو قبلت الدعوة، وبذلك يمكن للقضية أن تبقى سنين طويلة دون حسم بسبب مما طلة الخصم المتنفذ.

هاء ـ ثمة دعاوى لا يستطيع القاضي أن يحكم فيها، ومن أبسط الأمثلة على ذلك أن تكون المعلومات ناقصة ولا يستطيع القاضي استكمالها غالبا بسبب وجود المعلومات الضرورية لد المباحث أو المخابرات أو دائرة الجوازات حيث يحق لهذه الدوائر أن ترفض تزويد القضاة بالمعلومات بحجة أنها من اسرار الدولة، وحينئذ لا يستطيع القاضي إلزامها بالإفادة.

واو ـ وثمة دعاوى لا يصدق على تنفيذها، ففي المملكة لا يعتبر قضاء القاضي نافذا في قضية ما، كما هو الحال في دول العالم الأخرى. إذ لا يمكن تنفيذ أمر القاضي في المملكة إلا بمصادقة حاكم المنطقة الإداري "الأمير" أو مصادقة الملك، وكل ما يحتاجه الأمير أو الملك لتجميد أمر القاضي هو عدم التصديق على تنفيذ الحكم فتجمد القضية الى أجل غير مسمى.

رابعا: التدخل في القضاء

تقوم السلطة التنفيذية بالتدخل في القضاء إما بطريقة نظامية عبر اللوائح والنظم التي تبيح ذلك، أو عبر الأشكال المختلفة من الضغط كترهيب القضاة أو ترغيبهم للتدخل مباشرة في قراراتهم الإدارية. ويمكن تفصيل التدخل على النحو التالي:

ألف ـ التدخل في تعيين القضاة: يعتبر مجلس القضاء الأعلى أعلى هيئة قضائية في البلاد، وهذا المجلس هو الذي يعين القضاة ويعزلهم، ولكن المجلس نفسه بكافة أعضائه هو من صلاحيات الملك الذي يعين رئيسه، ولذل فتعيين القضاة هو حتما من الصلاحيات المطلقة للجهاز التنفيذي.

باء ـ التدخل في تعيين رؤساء المحاكم: لكل منطقة من مناطق المملكة محاكم، وتنحصر صلاحيات رئيس المحاكم في قبول ورد الدعاوى وتوزيعها إلى القضاة أو رفعها الى قضاة التمييز "الإستئاف"، ولا يعين رئيس محكمة إلا بعد استشارة أمير المنطقة فهو مسؤول الجهاز التنفيذي. وقد أدّى 1ذلك الى وجود رؤساء محاكم يعتبرون بمثابة خدم للأمراء في مناطقهم مثل رؤساء محاكم مناطق أبها والرياض والمنطقة الشرفقية، الذين اشتهر عنهم أنهم لا يمكن أن يتصرفوا إلا بموافقة أمير المنطقة، بل اشتهر عنهم وعن غيرهم من رؤساء المحاكم الضغط على القضاة لإصدار رسائل التأييد للدولة في كثير من المناسبات والدفاع عنها وخاصة في مناسبات تعرض النظام للنقد واستلامه عرائض المطالبة بالإصلاح. وقد بلغ الأمر بأحد رؤساء المحاكم أن حكم على الذين وقعوا مذكرة النصيحة (صدرت في يوليو 1992) بالخروج على الدولة وبأنهم مستحقون لعقوبة القتل، وشرع بعد ذلك في جميع توقيعات القضاة الذين في إدارته على فتوى بهذا المعنى.

جيم ـ التدخل في ترقية القضاة: تتدخل السلطة التنفيذية وكذلك أمراء المناطق في الضغط لترشيح قضاة معينين لمحكمة أمراء المناطق في الضغط لترشيح قضاة معينين لمحكمة التمييز، وأبسط مثال على ذلك ترقية أحد القضاة المشهورين بالغش والمحسوبية في منطقة الطائف المسمى "إبن مديش" إلى رتبة قاضي تمييز بضغط شخصي من الملك، لما له من جهود في تسهيل قضايا اغتصاب الأراضي للأمراء وتأييد الدولة.

دال ـ التدخل في نقل القضاة "مكافأة أو تأديبا": يتدخل الملك وبعض حكام المناطق للضغط على مجلس القضاء الأعلى لنقل القضاة تأديبا إلى مناطق نائية، والعكس صحيح، حيث ينقل بعض القضاة من مناط نائية إلى المدن بطلب من جهات عليا.

هاء ـ التدخل في فصل القضاة: يفترض ألا يفصل القاضي ولا يوقف عن العمل إلا بإذن من مجلس القضاء الأعلى، ولكن حصلت حالات تدخل من جهات عليها لفصل قضاة لأسباب سياسية، منها مثلا تدخل الديوان الملكي بشكل فاضح للضغط على مجلس القضاء الأعلى في فصل الشيخ عبد المحسن العبيكان في عام 1992. كما يقوم الديوان الملكي في بعض الأحيان بإلغاء أمر الفصل الصادر من مجلس القضاء الأعلى تجاه بعض القضاة المستحقين للفصل.

واو ـ التدخل بمنع قبول دعوى أو تمييعها: يحاول كثير من رؤوساء المحاكم المنحازين للسلطة رفض قبول أي دعوى إلا بعد تحويلها من قبل الإمارة وذلك محافظة على منزلتهم عند الأمير، ولكن حتى في الأحوال التي تقبل فيها الدعوى يأتي التوجيه من الإمارة برفض الدعوى بمبررات كثيرة منها عدم اختصاص المحكمة، ومنها الإدعاء بأن الدعوى تدخل في نطاق قضايا السيادة. ومن جهة أخرى قد تقبل الدعوى وتجمد عند رئيس المحكمة ويستمر الأخير بعد تفاهمه مع الإمارة في تسويف القضية، ويحصل العكس إذا كانت القضية لصالح أمير أو لصالح متنفذ، فيتم التفاهم بين الأمير ورئيس المحكمة بسرعة قبولها ويقوم رئيس المحكمة بمتابعتها شخصيا سعيا لإرضاء الأمير.

زاء ـ التدخل بتحويل القضية لقاض معين: يفترض في الدعاوى المحولة إلى المحاكم أن توزع بشكل دوري على القضاة حتى لا يتم أي تفاهم مع أي قاض من قبل خصم ما، ولكن يتم تجاوز هذا النظام بسهولة عند تدخل المتنفذين، فإما أن يتم بشكل سافر، أي أن يطلب الأمير تحويل على النظام حيث يجمد رئيس المحكمة القضية عنده إلى أن يأتي دور القاضي الذي يريده الأمير، وقد يتدخل الملك بتشكيل لجنة قضائية للحكم في قضية ما ويختار لها القضاة، كما حصل عند الحكم في قضية حرق محلات الفيديو وفي قضية بعض المتنفذين الذين سرقوا ألف مليون ريال من وزارة الدفاع ثم اختلفوا في اقتسامها فاشتكى أحدهم على الآخرين، وعندما حوّل القاضي القضية إلى سرقة أموال الدولة، سحبت منه وحولت إلى قاض آخر.

انتهاك الحقوق

القسم الأول: الإنتهاك من قبل المتنفذين

يتمتع بعض أصحاب النفوذ وخاصة أبناء الأسرة المالكة واقاربهم حتى من غير أصحاب المناصب بصلاحيات واسعة وحصانة فعلية تحميهم من التأديب والعقاب وترفع عنهم سلطة القضاء، ولذلك يعاني المواطنون والوافدون معاناة هائلة من انتهاك هذه الفئة الصارخ للحقوق، ومن الأمثلة على ذلك ما يأتي:

1ـ مباشرة قتل النفس عمدا وعدوانا: من أمثلة ذلك قيام الأمير سيف الإسلام بن سعود بقتل أحد المواطنين قبل عامين وضغط السلطات على أولياء المقتول بقبول تعويض مالي بالقوة. ومثل ذلك ما حدث مؤخرا من إقدام الأمير مشعل على قتل رجلين من قبيلة قحطان أحدهما ضريا حتى الموت، والآخر بالسلاح الرشاش، لأنهما دخلا مزرعته بلا إذن.

2 ـ مباشرة الضرب والإعتقال في السجن الشخصي: يمارس بعض المتنفذين دور السلطات الثصلاث، فيحكمون على بعض المواطنين بالضرب وينفذون هذا الأمر في بعض الأحيان بأيديهم وأحيانا أخرى عن طريق حرسهم الخاص، كما يقومون باعتقال بعض الأشخاص لمدد متفاوتة في معتقلات داخل قصورهم أو مزارعهم، وقد اشتهر ذلك عند الأمير مشعل والأمير عبد الله بن عبد الرحمن وآخرين.

3 ـ حمل السلاح وإرهاب المواطنين: يقوم بعض المتنفذين بحمل السلاح وإطلاق النار في المحافل العامة وبعض الشوارع البرى استعراضا للقوة وإرهابا للجماهير.

ـ الإعتداء الجنسي: يقترف المتنفذون هذه الجريمة إما بشكل مكشوف حيث يتم خطف بعض الفتيات من الشوارع أو المدارس ويعتدى عليهن بالقوة، وقد جرى تسجيل حالات من هذا النوع، وأحيانا أخرى تغرى بعض الفتيات أو بعض الصبيان بحيلة معينة ثم يؤتي بهم إلى بيت المتنفذ حيث يتم ابتزازهم وتهديدهم بالصور وغيرها إذا ابا حوا بأي سر. وقد حصلت حادثة اكتشفت فيها الشرطة استدراج عشرات الفتيان والفتيات وابتزازهم، وقد تدخلت إمارة الرياض وعاقبت الضباط الذين قاموا بكشف الحادث وحجيت القضية عن القضاء. وفي أحيان أخرى يقوم بعض المتنفذين بإجبار بعض الآباء على تزويج بناتهم لهم، أو حتى إجبار بعض الأزواج على تطليق زوجاتهم، ومن ثم يتم التزوج بهن بالقوة.

ـ غصب الأراضي والممتلكات: يمارس المتنفذون سلطاتهم بالإستيلاء على أراضي الغير بكل سهولة حيث لا يعدو ما يحتاجونه أن يضعوا علامات معينة يحددون بها حدود ما يرغبون في انتزاعه من أراض دون اعتبار للمالك الحقيقي، وبهذا يضيع حق المالك الحقيقي تماما. وتذكر المصادر المطلعة في هذا الصدد مثالين صارخين على ذلك، أحدهما استيلاء الأمير عبد الرحمن بن عبد العزيز على أرض واسعة مملوكة لمواطنين آخرين في وسط مدينة جدة بحجة أن أباه الملك عبد العزيز كان قد وعده بها، وقد تمت إقامة مشاريعه حكومية على الارض لصالح الأمير عبد الرحمن بمئات الملايين من الريالات ولم يحصل المالكون الحقيقيون على شيء من ذلك.

أما المثال الآخر، فهو قيام الأمير مشعل بن عبد العزيز بالإستيلاء على مخطط كامل لذوي الدخل المحدود في منطقة عرقة شمال غرب الرياض، وتهديده كاتب العدل بعدم كتابة أي صك شرعي لاي مواطن مسجل في ذلك المخطط. وهناك حالات كثيرة أخرى بالإضافة إلى ذلك منها أراض شاسعة استولى عليها الأمير مشعل وغيره. ويعتبر الأمراء عبد الله بن عبد الرحمن والأمير متعب والأمير سلطان من الأمراء المشهورين بغصب الأراضي في المملكة.

ويعتبر الترافع ضد هؤلاء مستحيلا لأن المواطن العادي يخشى بطش الأمير ولا يجرؤ القاضي على قبل الدعوى فيرفضها غالبا، أما إذا قلبها فلا يمكن الحكم فيها، وإذا حكم فيها فلا يمكن تنفيذ الحكم. والجدير بالذكر أن مبرر هؤلاء الأمراء في الإستيلاء على الأراضي هو أن آل سعود عامة يرون أن أراضي المملكة ملك عيني لهم ورثوه عن أبيهم.

أما غصب الممتلكات فهي ممارسات جديدة نسبيا انتشرت بين بعض الأمراء، وتتمثل في الإستيلاء على السيارات والليات والمعدات بالقوة من بعض الشركات والمؤسسات بحجة أنه سيتم سداد قيمتها لاحقا ثم تبقى بلا سداد، حيث لا تستطيع هذه الشركات والمؤسسات منع هؤلاء من الإستيلاء على الممتلكات العائدة لها لسببين: الأول هو أن المغتصبين يتقصون شخصية السلطة بما لديهم من قوة شبه عسكرية، والثاني هو خوف أصحاب المؤسسات والشركات من أن تعرقل معاملاتهم وأوراقهم عند السلطات إذا ما عارضوا هذا الإستيلاء.

ـ رفض دفع الإلتزامات: يعاني المقاولون من تسويف ومما طلة المتنفذين الذين يرفضون بعد إنجاز مشاريع "شخصية" دفع الإستحقاقات المالية، فيتورط المقاولون بالتكاليف المترتبة على إنجاز المشروع من حساباتهم الشخصية، ولا يتمكنون من تحصيل حقوقهم بأية طريقة للأسباب السابق بيانها. ومن الجدير بالذكر أن مصل هذا الحالات ليست مقصورة على الأسرة امالكة أو كبار المتنفذين فحسب، وإنما تمتد إلى الطبقات الثانية والثالثة من أصحاب المناصب، حيث يستغلون معرفتهم أو صلتهم ببعض المتنفذين، ويكون الوضع في مثل هذه الحالة أسوأ إذا تعلق بأحد من الوافدين، وقد يحدث العكس أيضا، حيث يقبض بعض المتنفذين مبالغ مالية ثنا لأراض أو ممتلكات باعوها لغيرهم، ومن ثم يرفض تسليم ما باع لمن اشتر. وقد حصل ذلك في حادثة مشهورة تتعلق بأرض واسعة يقدر ثمنها بمائتي مليون ريال حيث استلم الأمير المبلغع ورفض تسليم الأرض للمشتري حتى بعد صدور الصك الشرعي، بل أوقف عند حدودها حرسه الخاص وطلب منهم منع أي شخص من دخولها، ولم يتمكن اصحاب الأرض من استلامها إلى بعد أن دفعوا أضعاف ثمنها الأصلي، أما الصك الشرعي فلم تكن له قيمة تذكر.

القسم الثاني: الإنتهاك من قبل السلطات

يعتبر النظام الملكي السعودي من أشد الأنظمة البوليسية وأكثرها تمكينا للمخابرات في الحياة العامة.. فلا يقل عدد منسوبي أجهزة المخابرات الكثيرة في الدولة عن ثلاثمائة ألف فرد، في الوقت الذي لا يتجاوز فيه تعداد الجيش النظامي والحرس الوطني مائة الف فرد. لذا فإن وزارة الداخلية وإمارات المناطق هي السلطات الوحيدة صاحبة النفوذ في الدولة، ولذلك فمظاهر الدولة البوليسية واضحة جلية، وتتمثل في التجسس والتفتيش والمداهمة والإرهاب والإعتقال والتعذيب والسجن لمدد عير محددة، وكذلك التحكم الكامل بوسائل الإعلام ومنع جميع اشكال حرية التعبير، بل ومنع إثقامة الحفلات والإجتماعات الخيرية، ومنع تشكيل الجمعيات الخيرية فضلا عن تكوين الأحزاب، وأخيرا منع كافة مظاهر الإنتخاب والممارسات الديمقراطية في الدةل. وفيما يلي تفصيل بعض مظاهر الإنتهاك الرسمي لحقوق الإنسان.

أولا ـ الإقامة الجبرية ومنع السفر إلا إلى رسالة صغيرة من موظف ـ لا يشترط أن يكون ذا منصب كبير ـ في وزارة الداخلية إلى إدارة الجوازات حيث يتم إدخال إسم الممنوع من السفر في كمبيوتر وزارة الداخلية، ولذا فإن كثيرا من أساتذة الجامعات والمفرين الذين اشتهر عنهم المساهمة في مذكرات النقد ومطالب الإصلاح هم الآن في قائمة الممنوعين من السفر. وقد شاعت ظاهرة تشبه الإقامة الجبرية وهي الحكم على شخص بعدم مغادرة مدينة معينة أو دخولها وذلك بأمر من أمير المنطقة بمعزل عن القضاء. كما تفشت ظاهرة منع السفر لأسباب غير سياسية مثل منع السفر بقرار من أحد المحققين في وزارة الداخلية بلا أمر قضائي. وقد أصبح كثير من المواطنين والوافدين يعهانون من ذلك الأمر الذي غالبا ما يكون بحجة أن الممنوع من السفر ذو علاقة من قريب أو بعيد بحادث معين تحت التحقيق.

ثانيا ـ التجسس : يمارس التجسس بشكل شبه روتيني على عدد كبير من المواطنين، كما تقوم الدولة بالتجسس على كبار المسؤولين ووكلاتء الوزارات وكبار الضباط، وتراقب بشكل منتظم جيمع الرموز الإجتماعية والمفكرين والخطباء المشهورين واساتذة الجامعات المرموقين. ويتم التجسس على الأشخاص وعلى المكاتب وعلى التجمعات كما يتم عن طريق مراقبة اتصالات الهاتف والفاكس والمراسلات البريدية والطرود بالإضافة إلى المتابعة الشخصية في السيارة، وتركيب أجهزة التصنّت في البيت والتصنت عن بعد والمحاصرة من قبل المخبرين.

وتكلف تكنولوجيا التجسس الدولة أموالا طائلة تقدر بآلاف الملايين، وقد تم بناء مبنى ضخم كلف مئات الملايين في مشروع مشترك بين وزارة الداخلية ووزارة الهاتف مهمته المراقبة الإلكترونية لأي خط هاتفي في المملكة عن طريق الحاسب الآلي. والطريف أن الدولة لا تجد حرجا في الإعلان عن قيام أجهزتها بالتجسس على المواطنين، فالأمير سلمان مثلا وغيره يستشهدون ضد بعض الأشخاص بعبارات يقولن أنهم سمعوها من أشرطة التجسس على الهاتف، ربما لاعتقادهم أن ذلك من حقوق الدولة على مواطنيها. ومن المفيد أن نذكر أنه لا يوجد في هذا المضار ما يسمى بمذكرة قضائية أو إذن من النيابة تعرض فيها عدد من القضاة الى التجسس على هواتفهم ومنازلهم وسياراتهم واتصالاتهم البريدية.

ثالث ـ منع الأنشطة الإجتماعية والخيرية المستقلة: بالإضافة إلى منع الجمعيات (الخبرية) فإن أي نشاط مستقل حتى لو لم يكن سياسيا يمنع من قبل أدجهزة الأمن، حتى لو تبنت هذا النشاط مؤسسة نظامية. ولقد منعت أجهزت الأمن حفلات خيرية بحتة بحجة عدم وجود إذن رسمي كحفل التعريف بمؤسسة الحرمين الذي ألغي قبل موعده باثتني عشرة ساعة فقط بأمر من الملك شخصيا. ومن أمثلة منع الأنشطة الخيرية إصدار تعميم من وزارة الداخلية بمنع أي شكل من أشكال جميع التبرعات إلا من قبل لجان تشكلها الدولة.

ومن الحالات التي وثقت في هذا المجال، نذكر قصة مجموعة من المثقفات السعوديات اللواتي قررن في أواخر العام الماضي تنظيم رحلة جماعية الى مدينة زغرب للإطلاع على أوضاع اللاجئين البوسنويين هناك، وضمت المجموعة عددا من الطبيات السعوديات. ولما كانت أقرب سفارة لحكومة كرواتيا موجودة في دولة الإمارات العربية المتحدة فقد ارسلت السيدات جوازات سفرهن إلى السفارة بالبريد للحصول على تأشيرة دخول، وفي طريق عودة الجوازات ـ بالبريد أيضا ـ صادرتها مصلح ة البريد، وظلت تنتقل من دائرة في الدةل إلى دائرة، إلى أن ألغيت الرحلة، وأفشل المشروع. رابعا ـ الإجراءات التعسفية في الإعتقال والسجن: يعتبر اعتقال أي مواطن أو وافد وما يتبعه ذلك من اجراءات حقا من حقوق السلطة التنفيذية في المملكة التي تشكل هذه الممارسات فيها صورة من أبشع صور انتهاك حقوق الإنسان في العالم، ومن أمثلة ذلك ما يأتي:

الف ـ الإعتقال بلا تهمة أو محاكمة، وعدم التمكين من الإتصال بالمحامي: لا يحتاج إلا عتقال أبدا إلى أمر قضائي، ولا يحتاج إلى مذكرة اتهام او مذكرة اعتقال، وكل ما يحتاج إليه هو توجيه كتابي أو شفوي من أمير المنطقة أو من يمثل الأمير، وفي بعض الأحيان الى قارا من ضابط مكلف من قبل الإمارة أو الشرطة بالتحقيق في قضية معينة سياسية أو جنائية. وغالبا ما تكون عملية القبض بشكل عنيف غير مهذب، ولا يخبر فيها المعتقل بسبب اعتقاله، ولا يسمح له بالتمتع بأي حق من الحقوق الشخصية لأي معتقل، حسبما تقتضيه الأعراف والقوانين الدولية كالإتصال بالمحامي وغير ذلك من الحقوق. ويمكن الجزم بأن كل المعتقلين في المملكة هم أمثلة حية على هذه التجاوزات التي لا تجوز بأي حال حتى في حال من تثبت إدانتهم بأبشع الجرائم. فدور القاضي في المملكة يأتي متأخرا دائما عن دور رجال الشرطة والأمن. أما في حالة الإعتقل السياسي فلا يتسنى لمعتقل أبدا المثول أمام محكمة علنية عادلة، إذ أنه إما أن يحرم بالكلية وإما أن تشكل لجان قضائية خاصة أعد لها الحكم سلفا من قبل السلطات التنفيذية.

ومن أمثلة الإعتقال السياسي، اعتقال الشيخ ابراهيم الدبيان مرتين، وكان حتى صدور هذا التقرير حسب علمنا لا يزال رهن الإعتقال، واعتقال الدكتور محمد المسعري، واعتقال محمد عبود عسيري ـ الذي لا يزال مضريبا عن الطعام في سجنه ـ وأحمد الحصين، والمزيرعي، ورياض الحقيل، وابراهيم الخزيم وعبد الله المحيميد، وسعد القويز، ومحمد العماني، وموسى التعيبي، وإبراهيم الحصان، وعبد العزيز النصار، وفهد الشافي، وإبراهيم العيد، وعبد الرحمن السويلم، وفهد اليحيى، وخالد الأحمدي، وإبراهيم الريس، ومشاري الزايدي، وأحمد العبداني، وفهد القحطاني، ومنصور النقيدان، وناصر البراك، ومحمد العصفور، وعلي الخضيري، وعبد الحكيم الحصان، وعبد الله العتيبي، وأحمد فقيهي، وخلف الحربي، وفؤاد الرفاعي، وجابر الجلاهمة، وعبد اللطيف الدرباس، ووليد الدرباس، وحامد الأردني، ويحيى داود، وصلاح حسين، ورائد العقيلي، وغيرهم ممن يصعب جمع المعلومات عنهم. هذا بالإضافة إلى البروفسور عبد الله الحامد، العضو المؤسس في لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية الذي اعتقل مساء 15 يونيو 1993، والشيخ عبد الله الريس، المدرس بجامعة الإمام الذي اعتقل صباح اليوم التالي مباشرة.

وهؤلاء جميعا دوهمت بيوتهم، ولم توجه لهم السلطات تهما معينة، ومعظمهم لم يسمح لأهاليهم ولا محاميهم بالإتصال بهم أو حتى الإستفسار عنهم.

باء ـ المداهمة: تمارس قوات الأمن عملية المداهمة بكل جرأة وثقة بالنفس ولا يخطر ببل سلطات الأمن أن تحتاج إلى أي شكل من أشكال الأمر القضائي. وأي رجل أمن يشارك في عملية مداهمة ويقابل بالإحتجاج من قبل أهخل الدار يلجأ الى استعمال تعبير " نحن رال دولة"، ورجل الدولة يعني بالتعبير العامي أن له مطلق الصلاحية. وغالبا ما يصاحب عمليات المداهمة اعتقال وتفتيش كامل ومصادرة الممتلكات وخاصة الممتلكات الكتابية.

ومن أمثلة المداهمات مداهمة منزل الدكتور محمد المسعري المشهورة التي تم فيها كسر باب المنزل والدخول بالقوة على الدكتور في غرفة نومه وحمل جميع ممتلكاته "الكتابية" بما فيها شهاداته العلمية وصوره الفتوغرافية.

ومن الأمثلة أيضا مداهمة مكاتب قسم الفيزياء في جامعة الملك سعود ونقل جميع محتوياته من كتب وملفات وأشرطة وكمبيوتر، ومن الأمثلة كذلك مداهمة منزل الدكتور علي محمودن الستاذ في كلية الطب قبل نحو شهر، واعتقاله ومصادرة محتويات البيت الكتابية.

ومن المثلة ايضا مداهمة منزل السيدتين زينة حكيم وفاطمة المازي في جامعة الملك سعود كذلك، واعتقالهما، والتحفظ على الممتلكات الموجودة بالمنزل قبل ستة أشهر. ومن الأمثلة مداهمة مركز الشيخ سفر الحوالي، ومصادرة جميع ممتلكاته بأمر شخصي من الملك واعتقال موظفي المركز.

وأخيرا مداهمة منزل البروفسور عبد الله الحامد قبيل اعتقاله وتفتيش المنل تفتيشا دقيقا لعدة ساعات، ومصادرة كل ما وجد في منزله من وثائق أو مطبوعات لها علاقة بالكتابة أو الثقافة أو الكفر.

جيم ت أحوال المعتقلين ومصيرهم: منذ أن يدخل المعتقل السجن يصبح تحت السلطة المطلقة للجهة التي اعتقلته سواء كانت جهاز المباحث أو الإمارة أو الشرطة، ولا يوجد أي نظام و طريقة لضبط مدة بقاء المعتقل في السجن أو الإشراف على مسار التحقيق معه و حتى التكهن فمصيره، فبالإضافة إلى الأوضاع التعيسة للسجون في المملكة من ناحية انعدام النظافة والتكييف وضيق اليز المتاح لكل سجين، فقد سجلت الإنتهاكات التالية:

1 ـ البقاء في السجن مدة طويلة إما بسبب الإهمال والنسيان، أو بسب عدم اكتمال التحقيق. ومن أمثلة ذلك ما يحدث لمعظم العمال الوافدين الذين يأتون من دول العالم الثالث، ولا توجد جهة تتبنى الدفاع أو السءؤال عنهم، وثمة أمثلة كثيرة لمواطنين من داخل البلد ومن ذلك استبقاء الشيخ سمير المالكي رهن المخرج السينمائي المشهور ثمانين يوما تحت التعذيب قبل خراجه هو وزوجته. ويعتبر افتقاد المعتقل من قبل أقربائه أو معارفه ومن ثم السؤال عنه الطريقة الوحيدة لمتابعة وضع السجين المعتقل سواء كان سياسيا أو جنائيا، وفي كثير من الأحيان تتم الإستعانة ببعض المتنفذين من أجل حل مشكلة المعتقل. أما القضاء فليس له أي دور في هذه الأمور.

2 ـ تعرض السجناء للتعذيب، حيث يعتبر التعذيب في السجن أمرا شبه روتيني حتى في الحالات الجنائية، وتمارس الشرطة ورجال الأمن التعذيب لاستخراج اعترافات من المتهم بالقوة وتستخدم من أجل ذلك جميع أنواع التعذيب كالضرب والخنق، والتعريض للحرارة تارة وللبرودة تارة أخرى، والإيقاف مقيدا في الشمس، والصمق الكهبرائي، وإيذاء بعض المواضع الحساسة من الجسم، والحرمان من النوم، وما شابه ذلك، وتباشر الشرطة التعذيب إما لانتزاع الإعتراف كإجراء من إجراءات التحقيق، أو لأنزال عقوبة ما بالمحتجز وذلك بتوجيه من أمير المنطقة.

وقد يؤدي التعذيب في بعض الأحيان الى الوفاة، كما حصل للمواطن محمد الصالح قبل عام، وكان قد قبض عليه من مجموعة كبيرة اثنار التحقيق في قضية سرقة أحد البنوك فأصدر الضابط المكلف بالقضية أمرا بتعذيب جميع المشتبة بهم فورا، وتوفي محمد الصالح بعد يومين واعتبر الضابط وفاته أمرا عاديا، حتى أن رجال الشرطة لم يكلفوا أنفسهم ابلاغ أهله، ولم يعرف أهله بوفاته إل متأخرا، ولم يتمكنوا من رفع دعوى ضد رجال الأمن الذين قتلوا المذكور.

ولا بد من التأكيد هنا أن التعذيب هخو الوسيلة الوحيدة للحصول على الإعترافات، فإذا ما اعترف المتهم أحيل الى القاضي بعد ان يوقع على الإعترافات خلال التعذيب، فإذا اعترض المتهم عند القاضي وادعى أنه اعترف تحت التعذيب لا يملك القاضي تخليصه من أيدي رجال الأمن الذين قد يستأنفون التحقيق ويعاودوا التعذيب إلى أن يعترف المتهم مرة أخرى متعهدا ألا ينكر اعترافه إذا مثل أمام القاضي، وهذا يحدث في القضايا الجنائية، فكيف الحال بالقضايا السياسية.

3 ـ الإهانة والتحقير: حيث يتعرض معظم المعتقلين وذويهم وكل من لع علاقة بهم الى أقصى درجات الإهانة والإحتقار، ويتعامل رجال الأمن معهم كما لو لم يكن لهم أي حق من حقوق الإنسانية حتى لو كانت حالة بسيطة كمخالفة مروروية أو ما شابه ذلك. فبكل سهولة يقرر الضابط أن يعزل أي مواطن مانعا إياه من محاولة الإتصال بأي جهة. ويتعرض أهل المعتقل بالتالي وأطفاله للخطر كمثل الذي حصل من وفاة أحد اطفال مواطن اعتقل بسبب مخالفة مرورية، فبالرغم من إصرار المعتقل على أن أطفاله في خطر فقد حرم من الإتصال بأي أحد أو الذهاب إلى أطفاله لتأمين وضعهم. إن أي مواطن أو وافد يذهب إلى مكاتب الشرطة أو الأ/ن أو الإمارة للسؤال عن معتقل قريب او صديق أو مستخدم لا يعامل إلا معاملة إهمال واحتقار لو لم يكن من حقه أن يعرف عنه شيئا.

4 ـ تغييب المعتقبلين وإخفاء المعلومات عنهم: حيث لا تعتبر سلطات الأمن نفسها ملزمة بإخبار أهل أي شخص يتم القبض عليه حتى لو كانت القضية جنائية. وغالبا ما يسعى ذوو المعتقل للإستفادة من أصحاب النفوذ لمعرفة أحوال ذويهم، وفيما عدات ذلك فإن معرفة أحوال المعتقل ومصيره تكون من الصعوبة بمكان. أما إذا كانت الحالة سياسية فلا يمكن بأي حال معرفة مكان المعتقل أو سبب اعتقاله أو وضعه أو ما يجري له، ويعتبر كل من يسأل عنه مشبوها يستحق الإعتقال، ولذا يتعرض كل من يسأل عنه للتخويف والإرهاب.

5 ـ عدم رد الإعتبار: إذ لا تعتبر سلطات الأمن تصرفاته تجاه المعتقلين سواء كانت اعتقالات أو إهانة أو تعذيبا أو غير ذلك خطأ يجب إلا عتذار عنه إلى في حالة واحدة هي أن يكون المعتقل قريبا لأحد المتنفذين، وأن يكون المعتقل قد أخذ دون علم هذا المتنفذ، وحينئذ لا بد من الإعتذار للمعتقل بل لا بد من عقاب الجهة التي قامت بالإعتقال. أما ما دون ذلك فإن المعتقل الذي اعتقل خطأ ولم يثبت عليه أمر جنائي، فإنه يطرد طردا من مقر الإعتقال بكل إهانة واحتقار إن كان مواطنا. أما إن كان وافدا فإن يسفر فورا إلى بلده ويلغى عقد عمله، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال التظلّم، فالنظام هنا هو أن كل من يعتقل من الوافدين سواء كان اعتقاله صوابا أو خطأ فإنه يسفر فورا خوفا من أن يفضح الدولة في داخل البلد.

ونذكر هنا حالتين، وإن كانت الأمثلة في الحقيقة بالآلاف. أما الأولى فحالة لوافد بنغالي أعتقل مدة ثلاثة أشهر كاملة تعرض خلالها لجميع أشكال الإهانة والتحقير، ثم تبين بعد تلك المدة أن غير الرجل المطلوب، وأن تشابها في الأسماء تسبب في اتهامه واعتقاله وتعذيبه، قامت السلطات بتسفيره فورا من السجن الى المطار.

أما الحالة الثانية، فهي لوافد مصري اتهمته خادمة في أحد البيوت بالزنا، فسجن وحقق معه من قبل الشرطة دون أمر من القاضي وعذب من أجل الإعتراف حسب الأصول المتبعة، وكان كلما سجلت اعترافاته، وقد تكرر ذلك إلى أن تعرفت الشرطة على الفاعل الحقيق، فما كان منهم إلا أن سفروه فورا من السجن إلى المطار دون تعويض ولا ردا اعتبرا بل ولا حتى اعتذار، وعادة ما يؤخذ المعتقل الى الملطار بسيارة البوليس كأي مطرود من البلد. ومن المفيد أن نذكر أن كثيرا من المعتقلين الذين ليس لديهم أقرباء، أو أصدقاء من أصحاب النفوذ يقضون فترات طويلة في المعتقلات إما لخطأ أو لسبب تافة لا يستحق، ولا يوجد نظام يتابع هذه القضايا المنسية، ولا توجد أي لجان قضائية للكشف عن السجون ومراقبتها.

ـ الإجراءات التعسفية في التحقيق: ففضلا عن صفوف الإهانة والإحتقار والتعذيب، تمارس الأساليب التعسفية عند التحقيق، فمثلا يهدد أمير المنطقة رجال الشرطة بأنه سيقذف بهم في السجون جميعا إن لم يأتوه بالمجرم الحقيقي خلال يومين، وقد يأتي بأحد المواطنين للإستجواب في قضية جنائية أو سياسية ثم يأتي التكليف من أمير المنطقة إلى الذين يزاولون التحقيق بأ، يأتوا بكل شخص يرد ذكره على لسان المتهم، وقد تسبب هذا الأسلوب قبل عدة أعوام في وفاة أشخاص أتت بهم الشرطة من بيوتهم تنفيذا لتوجيهات الأمير، وكان بعضهم مقعدا طاعنا في السن، لا يتحمل جسده الواهن صعوبة النقل التعسفي، فتوفي البعض في الطريق، وتوفي البعض الآخر في ضيافة الشرطة!

خامسا ـ مزاولة دور القضاء: يعتبر كثير من الأمراء انفسهم سلطة تشريعية وقضائية وتنفيذية في أن واحد، ويمارسون حكمهم المبني على هذا الشعور، ولذا فإن أمير الرياض مثلا يحكم ويقضي بالسجن والجلد والغرامة والنفي والإقامة الجبرية والفصل والإيقاف عن العمل، وقد يوثق حكمه كتابة أو يكتفي بالحكم الشفهي، وهكذا الأمر مع كثير من أمرء المناطق ، ويحاول بعض الأمراء نسبة هذا التصرف إلى الشريعة اعتقادا منهم أن الشريعة تخول الحاكم الإداري بذلك. وقد لا تقتصر هذه الممارسة على حاكم المنطقة فحسب بل يشاركه في ذلك كبر موظفي الأمارة من وكلاء وأمراء المدن الصغيرة والقرى، بل حتى ضباط الشرطة في اكثير من الأحيان حيث يثرر الضابط أن شخصا ما قد ارتكب جرما ويقرر اعتقاله أو يقرر حبسه، وليس هناك من يراقب عمله ويتأكد من سلامة استعماله للصلاحيات الممنوحة له.

ومن الجدير بالذكر أن أمثال هؤلاء يرون أنفسهم أهلا للتصرف في الحق العام بإسقاطه عن المتهم إذا ما شفع فيه أحد المقربين، أو بزيادة مقداره إذا ما شهد للمدعي أحد المقربين. ومن أشكاله مزاولة دور القضاء قيام بعض الأمراء بإضافة نصوص إلى الصكوك الشرعية بخط يدهم وإمضائهم فيما يسمى "تهميش النصوص" ومن الأمراء المشهورين بهذه العادة خالد الفيصل أمير منطقة عسير.

سادسا ـ تبادل المطلوبين: توجد اتفاقات بين بعض الدول لتبادل المطلوبين وعادة ما تكون هذه الإتفاقات محكومة بإشراف وضبط الجهاز القضائي، وتقضي الأعراف والنظم العالمية بألا يسلّم أحد إلا بمر قضائي. أما في المملكة فلا توجد اتفاقات معلنة، وإنما اتفاقات سرية بين الأجهزة الأمنية مع بعض الدول التي أمتلأت سجونها بالمواطنين مثل مصر وتونس، وقد بدأ تنفيذ هذه الإتفاقات قريبا، حيث تسلّمت تونس من المملكة ستة معارضين سياسيين مطلوبين من قبل أجهزة الأمن، وتم ذلك بشكل سري خلال شهر رمضان الماضي، كما سلمت المملكة عددا كبيرا من المعارضين السياسيين المصريين من قبل أجهزة الأمن بشكل سري قبيل حج هذا العام.

سابعا ـ إغلاق الاب أمام جميع أشكال التظلّم: يحظر بعض أمراء المناطق على مواطني مناطقهم الإتصال بأي جهة خارج المنطقة إلا بإذن الأمير ويعمدون الى انزال العقاب بكل من يحاول التظلم ضد الإمارة أو الأمير، ومن أمثلة ذلك قيام الأمير خالد الفيصل بسجن مجموعة من المواطنين بعد قيامهم بإرسال برقيات تظلم الى الملك. ومنذ فترة قريبة أرسل الملك نفسه رسالة ال أهل القصيم يزجرهم فيها لا حتجاجهم على اعتقال الشيخ الدبيان محذر إياهم من تكرار هذا الفعل.

ثامنا ـ التمييز العنصري: يغلب على معاملة الدولة للناس في المملكة طابع التمييز العنصري في كثير من شؤون الحياة، بدءا بتوزيع المناصب والوظائف والرواتب وانتهاء بالحقوق الإنسانية المشروعة. وقد تقدم الحديث عن سلطات الفئة المتنفذة ـ آل سعود ـ وامتيازاتها. وفيما يلي أمثلة لمعاناة فئتين من الطبقات المسحوقة بسبب سياسة التمييز العنصري:

الفئة الأولى: فئة العمال والمستخدمين الذين تنتهك حقوقهم بأساليب متنوعة منها:

1 ـ عدم تسلم الرواتب لشهور عديدية وربما لسنين مما طلة بقصد العقاب.

2 ـ تشغيل الأفراد فوق ساعات العمل المحددة وإجبارهم على أعمال ليست مذكورة في عقد العمل.

3 ـ تعريض العمال لجميع أشكال الإهانة والضرب والإستهزاء والحسم من المستحقات.

4 ـ منع العامل من الإتصال بأي جهة قانونية أو قضائية لرفع مظلمته.

ونظرا لأنه لا يتم تعريف العمال بحقوقهم حين يجلبون للعمل في المملكة ولا بطريقة التظلم واستخلاص الحقوق ولا بالجهات القانونية ومواقعها، فإن غالبيتهم يشعرون بالشلل والعجز تجاه هذه الممارسات.

أما ما يسمى بمكتب العمل والعمال الذي يفترض فيه أن يدافع عن حقوق العمال وينظر في خلافاتهم مع مستخدميهم فقد ثبت بالدليل أنه يساهم مساهمة فعالة في إضاعة حقوق العمال، فإذا ما تمكن عامل ما من التعرف على الكتب وجرؤ عل تقديم شكواه فإن القضية غالبا ما تنقلب ضده، ومثال ذلك أن يتقدم العامل بشكوى عدم استلامه مستحقاته لشهور طويلة فيعاقبل فورا من قبل المكتب بحجة أنه حضر لتقديم الشكوى في وقت الدوام ومخالفا للنظام ويعتبر ذلك سببا كافيا للإمتناع عن النظر في شكواه.

الفئة الثانية: فئة الحاملين للجنسية "فئة بدون" حيث يعاني عدد ضخم من سكان المملكة الأصليين بسبب وضعهم في البادية من حرمانهم من حق المواطنة بالرغم من عدم امتلاكهم لأي جنسية أو هوية أخرى، ولذا فإنهم يلاقون صعوبة في التعليم والحياة الحرة الكريمة، ولا تزال الدولة تعارض تمكين هؤلاء من الحصول على الجنسية بالرغم من حقهم الشرعي فيها ويربوا عدد هؤلاء على مئات الألوف حيث يعيشون حياة اللاجئين في المخيمات في مناطق مثل الجوف وحفر الباطن.