العودة للفهرس

شرعيّة النظام السعودي تغيب خلف أسوار الاستبداد

لا أحسب أننا بحاجة الى ديباجة توضح لنا أهمية وجود الشرعية بمعناها القانوني والدستوري في أي نظام سياسي، وأنه بدونها لا يمكن ان تستقر وتثبت العملية السياسية بجوانبها المتعدّدة على الأرض، وفي الواقع السياسي والاجتماعي.. والسبب يرجع الى أن شرعية أي نظام سياسي هي عماد استقراره.

ان اغلب أزمات النظم السياسية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ترجع إلى غياب (والغياب هنا نسبي) المظلة الشرعية، ومما لا شك فيه ان معظم التطورات والتحولات التي يحدثها أي نظام فاقد للشرعية في مؤسساته وهياكله، تبقى محكومة بتفاعل وتداعيات غياب الشرعية، لأنها هي الهاجس الحقيقي لدى زعماء الأنظمة الذين يبحثون عن أي قشرة او مظلة تبرر بقاءهم في الحم.

والنظام السعودي لا يشذ عن هذه القاعدة، إذ منذ تبلور مشروعه السياسي وتوحيد مناطق شبه الجزيرة العربية، وإعلان اسم المملكة العربية السعودية كدولة واحدة، وبعبد العزيز ملكا لها، بدأت هواجس الأزمة تتفاعل بين الفينة والأخرى، وبالخصوص حين تنبري جماعة او جهة او قبيلة للدفاع عن نفسها، ورفض السلطة الجديدة.. أو حينما تتشكل معارضة سياسية او دينية او نقابية تطالب بمطالب عادلة ونبيلة، أو حينما تحدث أزمة في المحيط الأقليمي للسعودية.

في تلك الأيام ابتكر النظام آليات إدامة السيطرة وبقاء الهيمنة، بشراء الضمائر والنفوس، والتدال الاجتماعي والاقتصادي والتجاري مع العوائل والقبائل الاخرى ذات النفوذ والكلمة، وإفساح المجال للمشاركة الجزئية (الوظيفية) في السلطة، وإدارة شؤون البلاد.

ومن الوسائل توظيف الدين والمؤسسة الدينية في خدمة الاغراض السياسية المحلية والخارجية.. مع ان آل سعود يدعون بأن بنيان الدولة قام على دعامة دينية، وهذا ان كان صحيحاً، فليس الا لأن آل سعود يؤمنون بالدين الذي يوصلهم الى المقام السياسي الأعلى.

وفي المقابل اخذ النظام ايضا بتوسيع وتقوية آليات سيطرته وهيمنته، ولذلك لا نجد فرقاً واضحاً واختلافاً كبيراً في الأسس السياسية والقبلية التي اعتمدتها السلطة السعودية منذ عهد الملك عبد العزيز وحتى العهد الحالي.. فالحكم المطلق والفردي هو العلامة البارزة في التاريخ السياسي للسلطة السعودية، وجميع ملوك الدولة يمارسون ويعتقدون بمنطق لويس الرابع عشر (انا الدولة والدولة انا).
لقد انتقلت جميع صلاحيات الدولة بمؤسساتها واجهزتها الى شخص الملك، والانكى من ذلك ان الأمراء والملوك السعوديين يمارسون السلطة والأمارة باعتبارها ملكا شخصياً لهم وليس مجرد اختصاص يمارسه صاحب الكفاءة والمؤهلات الدينية والدنيوية.

وتتجلى أزمة الشرعية تبعاً لذلك في ان الولاء السياسي في داخل الدولة ومؤسساتها ومشاريعها يكون دائما لشخص الملك، وليس لنهج سياسي محدد، أو قيم معنوية ودينية معينة معروفة.

وهكذا نجد مع مجيء كل ملك تغييراً في الطاقم الاداري والحكومي، وإزاحة اشخاص والاتيان بآخرين، لأنه قد لا يتوفر لديهم الولاء الشخصي للملك الجديد.. وبذا تتحول جميع مؤسسات الدولة ومرافق الخدمة العامة فيها للتمجيد بشخص الملك وإنجازاته، وتتحول وسائل الإعلام إلى سلطة الملك، وتخضع له خضوعاً مباشراً، وتوجه حسب رغبته.

وهنا يصبح سلاح القمع والقوة هو لغة التواصل الدائمة بين الحاكم والمحكوم، مما يدعم الاضطرابات الاجتماعية وعدم الاستقرار السياسي.. يقول ماكس فيبر: (بدون الشرعية فان أي حكم او نظام يصعب عليه ان يملك القدرة الضرورية على ادارة الصراع بالدرجة اللازمة لأي حكم مستقر لفترة طويلة).. بمعنى ان السلطة التي تعتمد في ادارتها وحكمها على نفوذ القوة، لا قوّة النفوذ.. هذه السلطة لن يكتب لها الحياة، لأنها لا تمتلك الشرعية الكافية التي تؤهلها وتدفع بالشعب للدفاع عنها حين الأزمات والملمات.. لأن الشعب يدافع عن السلطة التي تمنحه الحرية، وتتعامل معه باللين والطف،، لا بالقسوة والقهر.

والسؤال المطروح في هذا الصدد هو: ما هي مظاهر غياب الشرعية السليمة التي يعاني منها النظام السعودي؟.

أولاً ـ غياب الحريات

ان لكل قيمة مادية ومعنوية جانبان: الحق والسلامة في ان هذه القيمة تنسجم مع الحق والشرع وتتناغم معه، وجانب القدرة في تهيئة الظروف والعوامل النفسية والثقافية والاجتماعية والسياسية التي تسهل عملية تطبيق تلك القيمة والالتزام بها.. إن النظام السعودي يعيش حالة التشوة الايديولوجي التي تتجسد في الغطاء الديني المتزمت ومضمونه السياسي والاجتماعي البعيد عن الإسلام، أن بالاحرى فان فعله السياسي ونشاطه الاقتصادي والتجاري وعلاقاته الدولية، تشكل ادوات فاعلة لتفريغ الإسلام من محتواه الحقيقي.. وبهذا النحو يقوم النظام بعملية تهجين بين قشور الدين ومتطلبات التبعية للغرب.. وهجانته هذه تتضح من خلال عدم قدرته عل الجمع بين قشور الدين، والمضامين السياسية والاجتماعية والحضارية للإسلام.. ومن هذه المضامين السياسي والحضارية، مضمون ومفهوم الحرية التي بدونها لا تقوم للإسلام قائمة.

ان النظام السعودي لم يهيء الظروف والعوامل لتطبيق هذا المفهوم الأساس، بدليل الاصرار على الحكم الوراثي والقبلي الذي يخالف بديهيات الدين، وروح العصر والتطور.. وهذا النظام الذي يتغنى باسم الإسلام، والدفاع عنه، لا تتوفر فيه أي مساحة رسمية للرأي الآخر.. فالصحافة السعودية مثلا، وعلى كثرتها، نجد ان عملها الرئيسي هو تمجيد السلطة والمبالغة في انجازاتها، وبيع الاحلام إلى الشعب في حملة تغفيل وتضليل وتغييب لارادته.

لقد أدى غياب الحرية بمستوياتها المختلفة الى وقوع آثار خطيرة ومدمّرة للواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي.. منها:

استخدام العنف المنظم والقمع (إعدام ـ إعتقال ـ تعذيب ـ هتك للاعراض ـ إقتحام للمنازل ـ منع الناس من السفر).

القطيعة الدائمة بين السلطة والمجتمع، وانعدام الطاقات الابداعية والابتكارية في المجتمع، لأن الدولة المستبدة بطبعها تميل لقتل الكفاءات والمواهب.

واستطرادا نقول ان الديمقراطية والحرية لا تعنيان فتح مجالس الامراء في يوم من أيام الاسبوع، لكي يأتي المتزلفون، أن اصحاب الحاجات لأخذ فاضل الأمراء وفتاتهم.. وإنما الديمقراطية في ابسط معانيها تعني تحويل الحكم من تحكم وسيطرة وهيمنة واستئثار فئة محددة، الى اشراك الجمهور الواسع من المواطنين في اختيار الصالح لهم ولبلدهم.

ولا بد من التأكيد في هذا المقام، على ان نظم الاستبداد والديكتاتورية والحكم المطلق، قد أفل نجمها، باعتبارها من مخلفات القرون الوسطى، ولا يمكن ان يبقى ويستمر حكم استبدادي لا يهتم بتطلعات الناس وطموحاتهم المختلفة.

ومن نافل القول، أننا نفهم الديمقراطية والحرية بالشكل التالي:

ـ وجود دستور مكتوب يقتنن حقوق المواطن وحريته في وثيقة صريحة تنظم العلاقة بين ابناء الشعب والسلطة، ويكون لهذه الوثيقة ثبات واستمرار وديمومة، ويكون إقرارها وتعديلها حسب ما يقرّره المواطنون انفسهم.

ـ تشكيل مؤسسات سياسية وقنوات واضحة تتيح للمواطن ان يبدي رأيه وان يشترك بنفسه فيما يعتبر حقه في ادارة وطنه والمشاركة في تقدمه.

ـ التعدد التنظيمي للقوى الاجتماعية في احزاب سياسية او هيئات ثقافية او مؤسسات اعلامية وما أشبه، دون قيود الا أحكام الدستور المكتوب، وهذه هي الادوات التي ينبغي ان يستعملها الشعب في التعبير عن أمانيه وطموحاته، وهي التي تمكنه من الدفاع عن مصالحه وتطلعاته.. وهذا يعني تمتع جميع المواطنين بدون استثناء بالحقوق المدنية والسياسية التي من ضمنها حقهم في المشاركة في البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ثانيا ـ عدم القدرة على حماية الوطن من الاخطار الخارجية

ان المبرر القانوني لوجود الدولة في أي مجتمع هو من اجل الدفاع عن المواطن من الاخطار التي تلحق به، سواء كانت طبيعية ام بشرية.. والدولة التي لا تتمكن من درء الاخطار عن مجتمعها ومواطنيها تفقد المبرر القانوني لوجودها، لأنها ليست مؤهله للدفاع عن مواطنيها ومصالحهم.. وفي احداث الخليج الأخيرة التي بدأت بالغزو العراقي للكويت، وتدخل القوات الاجنبية للدفاع عن مصالحها ومكاسبها في المنطقة، وما تبع ذلك من حرب ضروس.. جميع هذه الاحداث وتداعياتها وآثارها الحالية والمستقبلية القريبة او البعيدة، كشفت بوضوح عدم قدرة النظام السعودي في الدفاع عن نفسه ومواطنيه، لذلك قام باستدعاء مئات الآلاف من القوات الاجنبية للدفاع عنه. مما يؤكد ان النزام السعويد فاقد للشرعية التي يدعيها في حكمه للبلاد واهلها.

تجدر الأشارة الى ان النظام ومنذ بداية الطفرة النفطية في السبعينات، صرف مئات المليارات من الدولارات على عملية تحديث المليارات من الدولارات على عملية تحديث القوات المسلحة، وشراء الاسلحة المتطورة، وبناء المدن والقواعد السعكرية، ولكن الاحداث جاءت لتكشف كارتونية النظام، وهلامية دفاعه، وهراء مؤسساته الاعلامية والدعائية التي تحدثت عن إقتدار النظام العسكري والأمني.

وجماع القول، ان النظام الذي لا يستطيع ان يدافع وان يحمي مواطنيه من الاخطار، هو نظام لا يستحق الحياة.

ثالثا ـ اعتماد الدولة على الافراد لا المؤسسات

من الفروق الأساسية بين النظم الديمقراطية والنظم الديكتاتورية، هو ان النظام الديمقراطي يعتمد في تسيير شؤونه المختلفة على مؤسسات وهياكل قائمة، دون الاعتماد على شخص الحاكم المستبد، وان الدولة في جميع شؤونها لا تقوم على مؤسسات ثابتة، بل الثابت الوحيد في هذه الدولة هو شخص الحاكم.. فهو قطب الرحى ومحور كل عملية سياسية او اقتصادية.

واذا كانت هناك مؤسسات في الدولة، فهي شكلية صورية، ليست لها مهمة إصدار القرار او المشاركة فيه، وإنما تنحصر مهمتها في تنفيذ ما يطلبه الحاكم منها، حتى ان الوزارات التي هي جزء من النظام الاداري والسياسي، نجد ان اهمها محصور في يد امراء العائلة المالكة، في حين جردّت المسائل السياسية من الوزارات الاخرى، حتى اصبح الوزراء مجرد موظفين فنيين لدى الامراء، لا يحلون ولا يربطون، ولذلك فلا أهمية سياسية تعتبر لجلسات مجلس الوزراء، لأن القرارات تؤخذ في اروقة العائلة المالكة ومجالسها الخاصة في حين ان جلسة المجلس تبحث في الجوانب الفنية والادارية ويتم خلالها ابلاغ الوزراء بسياسة الحكومة.

وهذا بالطبع يعني ان السلطة لا تعتبر ممثلاً أمينا للخريطة الاجتماعية ومراكز القوى الحقيقية المتواجد على الأرض.. وأنما هي تعبير عن مجموعة من الافراد لا يزيدون عن اصابع اليد الواحدة، وحتى هؤلاء يتسم تفكيرهم بالمزاجية ومسايرة الأهواء.

ان سلطة كهذه، لا يمكن ان تخدم المجتمع وتقدره وتعبر عن طموحه وآماله، يمكن ان تكون امنية لهذا الشعب الذي لحكمه، ولا لثرواته التي يتلاعب بها الجواري والصبيان.. بل هي اقطاع لجهة تخضم مال المسلمين خضم الأبل.. ورؤساء هذه السلطة تنحصر مهمتهم في كيفية الاستمرار بالحكم بأي وسيلة كانت، والتمتع بلذاته بأي طريقة سخيفة ولا أخلاقية.. ولأن مثل هذا الوضع يعتبر شذوذا فلذا تتلبس العائلة المالكة من جهة بثياب الدين والإسلام، وتمارس القمع والارهاب بحق من عرف افرادها حق المعرفة، وادرك بان هؤلاء سبّة عار على هذا الوطن.

وعن طريق القمع والارهاب تقوم السلطة بتأسيس شرعية بشكل او بآخر لعملها القمعي، وان اداة القمع تقوم بدورين في اداء وبقاء النظام. ومن جهة أخرى تنتزع هذه الاداة شرعية ثقافية واجتماعية لبقاء السيطرة السياسية، وبهذا تعتمد الدولة على منطق القوّة، لا قوّة المنطق.

رابعاً ـ اختلال توزيع السلطة والثروة

السعودية ليست قائمة على اسس المساواة والتضامن والمصالح المشتركة.. وإنما هي قائمة على أسس القبيلة والولاء الشخصي او السياسي للعائلة الحاكمة.. بمعنى ان السلطة برموزها واجهزتها ليست نابعة من عملية مشاركة شعبية قعلية وحقيقية، سواء في الاختيار السياسي لشخص الحاكم او لطبيعة النظام السياسي والاداري، او في صنع السياسة العامة للبلد سواء الداخلية او الخارجية.. والمصدر اللاشعبي للسلطة يؤدي الى إبهاد المواطن والمجتمع عن دائرة القرار او المشاركة فيه.. ولعل هذا هو السبب وراء الكثير من التوترات، واللجوء الى العنف في العلاقة بين السلطة والمجتمع.. ولأن بنية السلطة السياسية والاجتماعية قائمة على إلغاء الطرف الآخر وعدم الاعتراف بوجوده، لذا قامت باحتكار جميع المناصب والثروات وتعامل افراد العائلة المالكة مع الدولة كملك شخصي لهم وارث لهم من ابيهم.

وبنظرة عابرة وسريعة الى المؤسسات السياسية والاقتصادية او التجارية نرى ان القاسم المشترك بينها جميعا هو سيطرة امراء العائلة المالكة عليها.. انها ليست دولة شعب، وانما دولة عائلة نزت وتسلطت على رقاب الناس، وتحكمت في المجتمع وثروته مستثنيّة أيّ طرف منها.

ان الدولة السعودية لا تقبل بالمنافس، ولا بالمشارك، ولا بأقل من هذا.. انها لا تريد ان ترى أي شخصية تنمو وفي أي اتجاه قد يجعلها في المستقبل مزاحما لأحد ابناء المسيطرين عليها.
والسؤال: أي شرعية لمثل هذه الدولة القائمة على احتكار كل شيء؟!.