العودة للفهرس

البلاد على حافة الافلاس

العائلة المالكة تستنزف المال العام في صفقات التسلح

بلغ الانفاق العسكري للملكلة بعد حرب الخليج أكثر من مائة مليار دولار.

خبير إقتصادي غربي: الاحتياطي النقدي للمملكة قد وصل الى مرحلة الصفر.

عبد الأمير موسى

قدر لمبادرة الحد من التسلح في الشرق الاوسط التي أعلنها الرئيس بوش بعد انتصاره العسكري و الانتهاء من عملية تحرير الكويت في التاسع والعشرين من مايو 1991م أن تستنزف ـ هذه المبادرة ـ من أموال المنطقة ما لم تستنزفه خلال عقود من الزمن بالاستناد على الارتفاع الكبير في نسبة استيراد الاسلحة في منطقة الشرق الاسوط، والتي تصل إلى 85 بالمائة من مجمل مبيعات الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الامن الامر ساعدها في أن تحقق مكاسب فلكية من أموال الخليج، عبر صفقات التسلح البليونية غير المنظمة أو الضرورية بما أدى الى تراجع خطير في الاحتياطات النقدية الخليجية.

وتأتي المملكة في مقدمة الدول التي دخلت في عملية تسلح واسعة ومكثفة استنزفت كميات هائلة من الاحتياطي النقدي مما حدا بخبير اقتصادي غربي للقول بأن الاحتياطي النقدي السعودي قد وصل إلى مرحلة الصفر وأن الحكومة السعودية قد تضطر الى بيع بعض احتياطاتها غير المسيّلة والمتمثلة في مجموعة العقارات والاسهم التي تمتلكها المملكة في بلدان غربية وشرقية مختلفة، مع استبعاد ماتستحقه المملكة من ديون في حكم العدم كالتي على بعض الدول العربية كمصر والعراق والاردن وغيرها أو روسيا التي تصل ديونها للمملكة أربعة مليارات دولار وغيرها من الديون التي لم تتمكن المملكة من استرجاعها أو التعويض عنها.

وقد تزايدت عمليات تدفق الأموال من داخل المملكة بطريقة مثيرة للغاية بعد أزمة الخليج الثانية، وتركزت هذه العمليات على المجال الدفاعي والامني مستهلكة جزءا كبيرا من المخصصات المقررة في موازنة عام 1413هـ ـ 1993م.

تقارير عسكرية واقتصادية غربية تحدثت عن المبالغ الطائلة التي أنفقتها المملكة خلال العام الجاري على صفقات التسلح، ففي تقرير نشر في الثاني والعشرين من سبتمبر الماضي بعد زيارة وزير الدفاع البريطاني ريفند إلى منطقة الخليج جاء فيه "أن المرحلة الثانية ـ من مشروع اليمامة الموقع في 1985م ـ قد تتكلف نحو عشرة مليارات جنيه استرليني "17 مليار دولار" وكان ريفيند قد صرح لصحفيين آنذاك بأن "الحكومة السعودية أعربت عن التزامها بتنفيذ المرحلة الثانية من عقد اليمامة الضخم لشراء معدات دفاع" وقال "إن عقد اليمامة قد بدأ بالفعل منذ فترة طويلة وسيستمر لفترة في المستقبل" وأضاف قائلا "وقد سعدت بأن أرى الحكومة السعودية في محادثاتي في جدة ملتزمة بشدة بالعقد.." فيما وصف جوناثان إيتكن وزير الدولة البريطاني للمشتريات الدفاعية في مقابلة مع صحيفة الحياة اللندنية في الثلاثين من سبتمبر الماضي مشروع اليمامة بأنه "أشبه بنهر متدفق يختلف زخم مياهه ولكنه لا يتوقف" فمن وجهة يوفر مشروع اليمامة للجانب البريطاني خمسين ألف وظيفة، فيما تضمن العلاقات الدفاعية البريطانية الخليجية توفير مائة ألف وظيفة.

من جهة أخرى ذكر مسؤول في القنصلية البريطانية في جدة في الثاني والعشرين من سبتمبر الماضي بأن "قيمة الصادرات البريطانية للسعودية في النصف الأول من العام 1,12 بليون جنيه" وقال "إن بريطانيا صدرت الى السعودية في العام الماضي بضائع ومنتجات بلغت قيمتها 2,2 بليون جنيه" وأضاف "أن الصادرات البريطانية تتمثل في معدات ثقيلة تتعلق بالدفاع وأجهزة الأمن والبناء".

وكانت ترواد بريطانيا مخاوف من أن تؤدي صفقة طائرات ف ـ 15 الأميركية الى السعودية التي بدأ الحديث عنها قبل عدة شهور للاضرار بصفقة القرن "اليمامة" بين الحكومة السعودية وبريطانية والتي قدرت قيمتها الاجمالي بخمسين مليار جنيه استرليني، مما حدا بوزير الدفاع البريطاني للقيام بزيارة عاجلة الى الخليج لانقاذ ما يمكن انقاذه قبل أن تبدي المملكة موقفاً مختلفاً لما تم الاتفاق بشأنه حول مشروع اليمامة في مرحلته الثانية وهكذا الحال بالنسبة لنظرتها حيال فعالية طائرات تورنادو.

الولايات المتحدة من جانبها التي أستأثرت بحصة الاسد من فواتير حرب الخليج ومنها الفاتورة المفروضة على المملكة والبالغة نحو ستين مليار دولار، تجد أنه مازال هناك فرصاً لاستنزاف المزيد من الأموال الخليجية والسعودية على وجه الخصوص، كواحدة من الالتزامات المفروضة على الحلفاء وكضريبة للحماية، فإلى جانب استخدام الخليج كسوق لتصريف البضائع الأميركية والتي بلغت في عام 1990م إلى 6,43 مليار دولار. وخلال وجود القوات الأميركية في الخليج وتحديدا خلال قيادتها لقوات التحالف الدولي ضد العراق ارتفعت المبيعات الأميركية من البضائع غير الحربية الى الخليج الى خمسة عشر مليار دولار من أصل 17,6 مليار دولار قيمة الصادرات الأميركية إلى العالم العربية حتى نهاية هذا العام، وفي تقرير قدمته وزارة التجارة الأميركية إلى الكونغرس خلال الشهر الماضي جاء فيه أن الشركات الأميركية فازت بحصة كبيرة في العقود التجارية مع دول الخليج فقد حصلت الشركات الأميركية على 141 عقداً في السعودية، إلى جانب عقود الاعمار في الكويت التي بلغت 501 عقد مشكلة بذلك رقماً قياسياً بالنظر إلى السنوات السابقة، وتبعاً لذلك أوجدت هذه العقود و المابلغ فرص عمل قدرت بنحو 150 ألف وظيفة.

وبصورة اجمالية فان المبيعات الأميركية إلى الخليج قد خلقت نصف مليون فرصة عمل، نشير هنا الى أن صفقة طائرات ف ـ 15 الاثنين وسبعين إلى المملكة قد ضمنت لوحدها 40 ألف وظيفة في شركة ماكدونالد دوغلاس الأميركية المصنعة للطائرات حتى عام 1999م وهي المدة المقررة لتسليم آخر دفعة من الطائرات تلك. الجدير بالملاحظة أن دول الخليج تعهدت في وقت لاحق بتوفير 600 ألف وظيفة في الولايات المتحدة، لدعم الاقتصاد الأميركي بما في ذلك اسناد الرئيس بوش في حملته الانتخابية للفوز بدورة رئاسية ثانية.

وفي المجال التسليحي أيضاً، فان صفقة طائرات إف 15 الاثنين وسبعين والتي أعطى الرئيس موافقته عليها في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، والتي لم تعلن ادارة شركة ماكدونالد دوغلاس عن قيمها الحقيقة، فإن التقديرات التي نشرت في وقت لاحق من اعلان الرئيس بوش عن موافقته على الصفقة بتسعة مليارات دولار، مع اضافة تسعة مليارات دولار أخرى قيمة ستمائة صاروخ جو ـ جو من طراز أيه. أي. إم 95 و 7، إلى جانب صفقتين كانت الولايات المتحدة في الرابع عشر من أغسطس والثاني  عشر من نوفمبر من العام الماضي 1991م أعلنت عنهما وهما بكلفة نحو أربعة مليارات دولار، وتشمل الصفقات نظام للانذار المبكر الذي تنتجه شركة هيوز الأميركية و 14 بطارية من صواريخ باترويوت و 700 صاروخ آخر.

وقد قدر تقرير سيف ورلد الصادر في أغسطس الماضي بأن المملكة انفقت خلال منتصف العام الجاري 1992م نحو 17 مليار دولار لشراء معدات عسكرية وهذا لا يشكل قيم صفقة الطائرات الأميركية ف ـ 15 أو نفقات المرحلة الثانية من مشروع اليمامة كما لا يشمل ثمن الفرقاطات الكندية للسعودية التي بلغت نحو أربعة مليارات دولار ولا الفرقاطات الفرنسية التي بلغت قيمتها أربعة مليارات دولار حسب مانشرته جريدة "الحياة" في عددها الصادر في السادس والعشرين من أكتوبر الماضي. وبحساب إجمالي فان المملكة أنفقت في المجال التسليحي ونفقات الدفاع والحماية منذ أزمة الخليج الثانية وحتى هذا الشهر أكثر من مائة مليار دولار على أقل التقديرات.

ومع افتتاح معرض "إستكس 92" في الرياض في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي والتي تقوده جمعية مصنعي معدات الدفاع البريطانية، نشرت أرقام حول حجم السوق الخليجية في قطاعي الأمن والدفاع، وقدرت هذه السوق بمائتين وخمسة وعشرين بليون ريال أي حوالي 60 بليون دولار، وتحتل المملكة والكويت المرتبة الأولى والثانية على التوالي في هذا السوق.

إن مبرر هذا النزيف الهائل للمال العام، يتمثل على حد قول جاك إيمز جوركوف رئيس الشركة الفرنسية لتصدير أنظمة التسلح "التزامات المملكة الكثيرة حيال البلدان التي ساهمت بمساعدة الكويت" وهو تبرير قد يكون مقبولاً لدى الحلفاء الذي تقاسموا صفقات التسلح لدعم اقتصاديات بلدانهم، ولكن عامة المواطنين والعقلاء في هذا البلد يرون في هذه الصفقات تلاعباً بثروات البلاد وسفهاً كبيراً من جانب العائلة المالكة يجب أن يوضع له حد.