كيف ستُصبح “وِساطة” ماكرون في الأزمة السعوديّة اللبنانيّة “القرداحيّة” الأغلى كُلفةً “ماديًّا” في التّاريخ؟ ولماذا ستبقى هذه الأزمة وتتفاقم حتى بعد استِقالة القرداحي؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 280
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ستدخل “وِساطة” الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بين الحُكومة اللبنانيّة والمملكة العربيّة السعوديّة التي “تكلّلت” باستِقالة السيّد جورج قرداحي وزير الإعلام، التّاريخ بأنّها الوِساطة الأغلى من بين جميع مثيلاتها في المنطقة، فقد عاد الرئيس الفرنسي إلى بلاده بعد زيارة لم تستغرق إلا ثلاثة أيّام لكُل من ابوظبي والرياض وفي جُعبته عُقود بصفقات أسلحة بأكثر من 20 مِليار دولار والمخفي أعظم.

دولة الإمارات العربيّة المتحدة التي كانت عاصمتها أبوظبي المحطّة الأولى في جولته الخليجيّة، أعلنت يوم الجمعة الماضي عن توقيع اتّفاقٍ بقيمة إجماليّة قدرها 16 مِليار يورو لشِراء 80 طائرة رافال من الجيل الجديد، وما يجعلها أكبر زبون في الخارج لشركة داسو الفرنسيّة للطٍيران، وربّما جاءت هذه الصّفقة تعويضًا لفرنسا عن سرقة أمريكا صفقة الغوّاصات الأستراليّة منها التي تُقدّر قيمتها بخمسين مِليار دولار، وانعكست سلبًا على العُلاقات بين البلدين، والأهم من ذلك أنها قد تكون بديلًا لصفقة طائرات “إف 35” الأمريكيّة التي تعاقدت على شرائها الإمارات، لأنّ الأخيرة غيّرت رأيها بسبب شُروطها التعقيديّة وأبرزها ضرورة استِخدامها تحت إشراف أمريكا، ولم تكن مُتقدّمة تُكنولوجيًّا مِثل نظيراتها الإسرائيليّة.

لم تُعلن المملكة العربيّة السعوديّة عن شِراء أيّ صفقات أسلحة إكرامًا للرئيس ماكرون وتقديرًا لجُهود الوِساطة التي قام بها، وأنزلتها من على قمّة شجرة الأزمة، ولكن الزّيارة في حدّ ذاتها لن تكون “مجانيّة”، ولا بُدّ من ثمن كبير مُقابلها، تُسدّده الخزينة السعوديّة، سواءً عبر صفقات أسلحة أو اتّفاقات تجاريّة لاحقة، بعد انقِشاع غُبار أزمة قرداحي.

نشرح أكثر ونقول إنّ الرئيس الفرنسي كان أوّل زعيم غربي يزور المملكة العربيّة السعوديّة ويلتقي الأمير محمد بن سلمان وليّ العهد السعودي كزعيم، وحاكم فِعلي لبلاده، مُنذ اغتيال جمال خاشقجي الصحافي السعودي في تشرين أوّل (أكتوبر) عام 2018 في قنصليّة بلاده في إسطنبول ممّا يعني كسْر عُزلته، ورفع الحِصار الدّبلوماسيّ عنه، وبداية خطّة لإعادة تأهيله لتولّي الحُكم رسميًّا في بلاده خلفًا لوالده الملك سلمان بن عبد العزيز.

الأمير محمد بن سلمان كان يُريد الانتِقام من السيّد قرداحي لأنّه مسّ العصَب الأكثر حساسيّةً بالنّسبة له، أيّ إدانة الحرب في اليمن التي تُشَكِّل نزيفًا ماليًّا وبشريًّا وسياسيًّا للمملكة، مُضافًا إلى ذلك كيف يجرؤ على هذه الخطوة وهو أحد “مُوظّفي” المملكة، و”لحم أكتافه” من خيرها، ويعود لها الفضْل في شُهرته، ووصوله إلى هذا المنصب، أيّ وزير الإعلام في بلاده؟

“سندروم” القرداحي سيختفي من العناوين الرئيسيّة، ودائرة الاهتِمام بشقّيه الشّعبي والرّسمي، بعد إجباره على الاستِقالة، بذريعة تقديم المصلحة الوطنيّة اللبنانيّة على مصلحته وكرامته الشخصيّة، والحيلولة دون طرد 200 ألف لبناني يعملون في السعوديّة، ولكن الأزمة اللبنانيّة بشَكلٍ عام، والعُلاقات السعوديّة اللبنانيّة، ستستمر، وربّما تُصبح أكثر سُوءًا ممّا كانت عليه، قبل توزير السيّد القرداحي أو بعده.

الأمير بن سلمان اتّصل هاتفيًّا بالسيّد نجيب ميقاتي رئيس الوزراء اللبناني، بحُضور الوسيط الرئيس ماكرون، ولكن هذه المُكالمة لم تتضمُن أيّ دعوة للأخير لزيارة المملكة، أو أيّ وعود لحل الأزمات الماليّة والمعيشيّة اللبنانيّة، أو عودة السّفراء الأربعة الذين تمّ سحبهم.

من عادة المُؤسّسة السعوديّة التي نعرف بعض تعاطيها مع مِثل هذه الأزمات بحُكم تجارب سابقة خاصّة مع منظّمة التّحرير الفِلسطينيّة، جيّدًا، أنها تفرض شُروطها على الآخرين، وتُطالبهم بالتّنفيذ، دُون أن تُقدّم أيّ وعود في المُقابل، باستِثناء رفع مُستوى التوقّعات من خِلال ترديد كلمة “أبشر”، أو سنرى بعد ذلك، وتبدأ بعد التّنفيذ عمليّة “شَيْ” الطّرف الآخَر على نارٍ باردة.

الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله آل سعود، وزير الخارجيّة السعودي كان مُصيبًا عندما أعلن أن المُشكلة الأساسيّة مع لبنان ليست تصريحات السيّد قرداحي، وإنّما هيمنة “حزب الله” وسِلاحه على البلد، ممّا يعني أن الأزمة بين البلدين ستستمر سواءً استقال أو أُقيل السيّد القرداحي، أو بقي في وزارة الإعلام.

“حزب الله” الذي دعم قرداحي وعارض كُلِّيًّا استِقالته، لم يقل رأيه حتى الآن، وفضّل “الصّمت”، وهذا يعني رفض الاستِقالة، واستِمرار أزمة حُكومة ميقاتي، وربّما لهذا السّبب لم تُعقَد أيّ اجتماع لها، ببساطةٍ لأنّ نوّاب تكتّل “حزب الله” وهُم الأغلبيّة لن يُشاركوا فيه ما لم يتحقّق مطلبهم الأهم وهو إقالة القاضي طارق بيطار المُحقّق في قضيّة تفجير مرفأ بيروت، وبعد هذه الإقالة “بصير خير” على الطّريقة السعودية تمامًا، “وما فيش حد أحسن من حد”، بالتّعبير العامّي اللبناني، واستِقالة مُقابل إقالة باللغة العربيّة الفُصحى.

الطّائر “الماكروني” طار بأرزاقه وهو “يُزقْزِق” فرحًا مُمتَطِيًا طائرته العائدة إلى باريس، وقد حصل على ثمنِ وساطته كامِلًا، وربّما أكثر ممّا توقّع، بسبب الكرم الحاتمي العربي، أمّا الأزمات اللبنانيّة ستستمر حتى لو عاد السّفراء الأربعة وتلقّي السيّد ميقاتي الدّعوة التي ينتظرها على أحر من الجمر لزيارة الرياض، وهي الزيارة التي ستنتهي إلى النّتيجة نفسها لنظيرتها التي قام بها إلى الرياض الرئيس ميشيل عون في بداية تولّيه للسّلطة.. واللُه أعلم.

 

“رأي اليوم”