خاشقجي ليس السبب.. لماذا انقلب الغرب على بن سلمان؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 1390
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

مرة أخرى، يجذب ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" انتباه وسائل الإعلام الغربية، خاصة في الولايات المتحدة.

لقد تلاشت نشوة بعض الصحفيين الذين سافروا إلى الرياض للقاء الأمير الصاعد، وتحولت صورته في أذهانهم. فبعد أن أُطلق عليه لقب المصلح العظيم، أصبح معروفا الآن بـ"الشرير والديكتاتور".

وقد تحدى "بن سلمان" نفوذ واشنطن وكبرياءها بتجاهل دعوة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" لزيادة إنتاج النفط وإنقاذ الولايات المتحدة والعالم من أزمة اقتصادية وشيكة.

وبينما لا يزال العالم يعاني من ارتفاع أسعار الطاقة، فشل شركاء "بن سلمان" الغربيون في فهمه مرة أخرى.

وأصدر صحفيون بارزون أكثر من 6 كتب عن ولي العهد السعودي، لكن صناع السياسة في الغرب تجاهلوا أكثر صفاته وضوحاً وهي "الغدر".

 

القصة وراء الأمر

وكان الغزو الروسي لأوكرانيا، وليس مقتل الصحفي "جمال خاشقجي"، هو السبب وراء حملة الشيطنة الأخيرة لـ"بن سلمان" في الغرب.

وأكد تقرير لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، في عام 2018، أن "بن سلمان" هو المسؤول الكبير الذي يقف من وراء جريمة قتل "خاشقجي". 

ورغم ذلك، فضلت الولايات المتحدة وحلفاؤها الامتناع عن فرض أي عقوبات على الملك القادم للمملكة العربية السعودية، في سعي منهم بأن يكون التواصل والتعامل مع الحاكم الصاعد أفضل من نبذه والنأي عنه.

لكن الآن أصبح ولي العهد السعودي في نظرهم شريرا وديكتاتورا وغير جدير بالثقة لأنه رفض الالتزام بالصفقة القديمة التي قدمت بموجبها الولايات المتحدة الحماية مقابل "الخنوع".

ويكمن خطأ "بن سلمان" هنا في السعي وراء مصلحته الوطنية، أي إنعاش الخزينة السعودية بعائدات النفط التي تشتد الحاجة إليها والاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة، لكن هذا الارتفاع من شأنه أن يضع المملكة أمام خطر التضخم العالمي، حيث إنها تستمر في الاعتماد على استيراد السلع الأساسية التي باتت أسعارها جنونية.

ولا يعد ولي العهد السعودي من النوع الذي يفكر في الموازنة بين الخسائر والمكاسب، فهو مصمم على الكسب بأي ثمن، حتى على حساب من في واشنطن.

واعتبر مقال في صحيفة "وول ستريت جورنال" أن "بن سلمان" يُظهر ميولا طفولية لأنه استقبل مبعوث الأمن القومي الأمريكي "جاك سوليفان" وهو يرتدي بنطلونا قصيرا وصرخ في وجهه عندما نطق باسم "خاشقجي".

وفي السابق، كان من الممكن الإشادة بملابسه لكونها غير رسمية وحديثة، وتعكس أجندته الإصلاحية والتزامه بثقافة الشباب.

لكن الآن يتم تفسير نفس الملابس على أنها علامة على عدم الاحترام والصبيانية.

بعد تلك المقالة نشر مقال آخر في "ذي شيكاجو تريبيون"، يطالب بأن "تترك المملكة العربية السعودية للذئاب".

وهنا أتساءل من هم الذئاب! وتطرح "إليزابيث شاكلفورد"، وهي دبلوماسية سابقة وزميلة بمركز أبحاث، قضية التخلي عن ولي العهد لمواجهة مستقبل غامض.

وقد ذكّرت صانعي السياسة الأمريكيين بالماضي المظلم للمملكة، وتخلت الكاتبة عن كل الدبلوماسية وشجعت بلدها على نبذ "بن سلمان".

وكانت الخطيئة الرئيسية لـ"بن سلمان" هي تجاهل المصالح الأمريكية والامتناع عن إدانة غزو "بوتين" لأوكرانيا.

وإذا كان هناك أي زعيم عالمي يحترمه "بن سلمان" ويعتز به إلى درجة اعتباره قدوة، فسيكون الرئيس الروسي بعد "دونالد ترامب" بالطبع.

 

التاريخ المنسي

ودعونا لا ننسى أن تجاوزات السعودية السابقة، التي تعتبر الآن غير مقبولة في دوائر الإعلام ومراكز الفكر الأمريكية، لم يتم التسامح معها فحسب، بل تم تشجيعها أيضا من قبل السياسة الخارجية الأمريكية.

وكان التطرف الديني أحد الأصول التي سمحت لها الولايات المتحدة بالازدهار من أجل هزيمة شر أكبر وهو الاتحاد السوفييتي.

هذا تاريخ يحاول البعض تناسيه، بينما اختار الصحفيون تجاهله عندما ناشدوا زعماءهم تغيير المسار، وعدم الاكتفاء بالتنديد بـ"بن سلمان"، بل طالبوا بالتخلي عنه إلى الأبد.

وحتى عهد قريب، كانت الولايات المتحدة تومن بفكرة استخدام الحكام السلطويين من أجل التغلب على الديكتاتوريين، حيث يعتبر "بن سلمان" حاكماً سلطوياً، لكن لم يكتفوا بغض الطرف عنه، بل أشادوا بما يسمى إصلاحاته الليبرالية، فيما كان الصحفيون الذين التقوا به يذكروننا بأنه ينبغي ألّا يحكم عليه من خلال معايير الديمقراطيين أو الديمقراطية.

وتم تقديم "بن سلمان" في صورة مصلح شاب يحاول تحديث دولة محافظة ومتطرفة، وإن كان ذلك من خلال اعتقال مئات الناشطين وإعدام آخرين.

وقد نُفذت الجولة الأخيرة من الإعدامات الجماعية مؤخرا أثناء زيارة رئيس الوزراء البريطاني "بوريس جونسون" للسعودية.

 

الأمير الميكافيلي

لكن الخطوط الفاصلة بين الحكام السلطويين والديكتاتوريين غالبا ما تكون غير واضحة.

فبعد 6 أعوام على بلوغه هرم السلطة في السعودية، أُدين "بن سلمان" باعتباره الديكتاتور السعودي الذي طعن الولايات المتحدة في ظهرها ولم يحترم الصفقة القديمة (النفط مقابل الأمن).

ويعيد التاريخ نفسه.

وطالما ظل الديكتاتوريون خاضعين للولايات المتحدة وتابعين لمصالحها، فلن يتم التسامح معهم فحسب، بل يتم تمكينهم وتزويدهم بالأسلحة التي يستخدمونها ضد شعوبهم وجيرانهم.

ويعد "بن سلمان" أحدث إضافة إلى القائمة الطويلة للديكتاتوريين الذين دعمتهم الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون لعقود وما زالوا يدعمونهم حتى يومنا هذا.

لكن من طبيعة الديكتاتوريين أن يكونوا غير جديرين بالثقة لأن خضوعهم لأوليائهم وداعميهم مجرد أمر عابر، ولا يمكن الاعتماد على ولائهم لأن ولاءهم أولاً وأخيراً هو لذاتهم.

فهل فشلت الولايات المتحدة فشلا ذريعا في التعرف على ملامح الميكافيلية في شخص "بن سلمان"؟

 

المصدر | مضاوي الرشيد | ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد